بقلم: لطفي السايبي


لن تزهر تونس الجديدة تحت قيادة شخص واحد، مهما كانت عظمته.


رغم أن « التوانسة » نجحوا على خلاف الدول العربية الأخرى في تخطي نصف الطريق من الإنتقال الديمقراطي، إلا أن النصف الثاني من الطريق نحو مستقبل أفضل لا يزال طويلا ومحفوفا بالمصاعب.
لإن كانت هناك عدة عوامل تجعل هذا التقدم عسيرا إلا أنها تصب في خانة واحدة: غياب روح القيادة.
يكمن غياب روح القيادة في عدة مستويات: السياسي، الإقتصادي وحتى الإجتماعي و نلاحظ هذا الغياب في الحكومة وفي الأحزاب وفي المجتمع المدني وكذلك في المنظمات المستقلة التي من شأنها أن تخطط وتنظم وتجمع وتناقش وتستأثر بالشجاعة للقطع مع الماضي من أجل إتخاذ القرارات اللازمة.

رغم حدوث « ثورة » و رغم تقدمنا ببضع خطوات نحو الديموقراطية، إلا أننا نلاحظ نوعا من الركود الفكري في « قوالب » ما قبل 2011 و يخص ذلك الطبقة السياسة والشعب على حد سواء. يبدو من الواضح أننا لم نحصل على القادة الذين ننتظر أو القادة الذين بفضلهم نصل إلى « أرض الديمقراطية الموعودة ».
حسب اعتقادي فإننا لن نستطيع التفكير في قيادة مثلى إلا بفهم السياق الذي ولد الحالة التي نحن عليها الآن. سنطرح ثلاثة عوامل أساسية للتحليل و الإستقراء كي لا نواصل السباحة في الرداءة، بين ذكريات الأمس وآمال الغد.

1- حواجز ثقافية :


منذ 60 سنة، كان المسؤولون يكتفون بالتزامهم بما يسمى « العقد الإجتماعي ». يوفرون الشغل، الإعانات وبعض الخدمات المدعمة كالصحة والتعليم كما يوفرون الطاقة والغذاء للمواطن الذي يرد هذا « الجميل » بالوفاء و الطاعة أو حتى الخضوع أحيانا. هذا ما قوم تعايشنا وضمن الإستقرار خلال ال60 سنة الأخيرة. في المقابل، نفس الشيء منع المسؤولين من بناء رؤية شاملة و تنفيذ الوعود والإصغاء إلى الناس للإجابة على أسئلتهم.
طوال 60 سنة، لم يعرف هؤلاء المنافسة. كان عليهم فقط إرضاء السلطة العليا فلم تكن لهم القدرة على تمثيل الشعب الذي لم يحظى بتعليم تدرس فيه « القيادة » كعلم إنساني وإجتماعي.
منذ ذلك الوقت، سادت فكرة أن هذه « القيادة » هي مكافأة من السلطة تسند للشخص مقابل خدمة يقدمها إليها وهو ما أخفى منطق « الجدارة » لتحل محله المحسوبية وسياسة المكيالين والفساد بصفة عامة. النتيجة: لم يسعى أحد من « قادتنا » إلى تطوير حس القيادة في ذاته. لم يستطع هؤلاء التواصل أو حتى تطوير حس العاطفة عندهم رغم أهميته لفهم انتظارات الشعب. لم يتعرض هؤلاء أبدا إلى آراء مخالفة ولم يصنعوا يوما تحالفات مبنية على تصورات جماعية وهو ما أدى اليوم إلى قيادة كارثية.


2- ثقافة الذات :


تمتد جذور قصة الحب التي تجمعنا بكلمة القائد بمعنى « الزعيم » إلى القائد حنبعل بالنسبة للبعض وإلى الرسول محمد بالنسبة للبعض الآخر. نشأت هذه القصة بعد سقوط الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية برغبة من جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة اللذين وحدا القبائل في بلديهم ضد السلطة الإستعمارية. بالنسبة للتونسيين، ارتبطت صورة بورقيبة بالتحول الحداثي والثوري الذي عرفته تونس إذ إشتهر بلقب « المجاهد الأكبر » الذي بدونه لم نكن لنشهد أي من التحولات التي عشناها.
إنتشار فكرة الزعيم تخضع حسب رأيي إلى ثلاثة عوامل :
يعود العامل الأول إلى ما بعد سنة 2011 حيث كان التعاطي مع الأحداث السياسية في الإعلام بكثير من الشخصنة، إذ كانت تنشر الآراء وكأن مصدرها أفراد معينين وليس إيديولوجيا أو تيار فكري. أيضا، اضطرت وسائل الإعلام إلى خلق « نجوم » سياسية في ظِلّ غياب قيم إيديولوجية وسياسية قوية.
العامل الثاني هو ثقافة « وان مان شو » أو العرض الأحادي الذي ميز عمل السياسين الذي سعى كل منهم للتفرد ليخلق نوع من الجاذبية نحوه ويتميز عن منافسيه.
أما العامل الثالث الذي يغذي فكرة الزعيم فيعود إلى تأثير المواقع الإجتماعية . وسائل الإعلام الرقمية تصنع ما سماه علماء الإجتماع، « التفاعلات الميتا-إجتماعية » ، أين ينتشي المواطن أمام صورة زعيم يظهر في ثوب البطل بفضل وسائل الإتصال الحديثة فنمر هنا من سياسية الأفكار إلى سياسة الحضور.


3- العظمة والأحقية :


العامل الثالث وهو الداء الأزلي ويتمثل في وهم العظمة والأحقية.
تعثر الكثير من المسؤولين عند الخط الرفيع الموجود بين الثقة المفرطة والأنانية. النتيجة: واصل الحكام النرجسيون البحث على المال أو الجاه أو الإثنين معا وفي كل الحالات فإنهم لا يهتمون بالشعب.

تجربتنا القصيرة كأمة أظهرت أن السياسيين يمارسون الحكم والرقابة أكثر من المواطنين العاديين. فالسلطة التي يكتسبونها عن طريق موقعهم السياسي يضع أمامهم كل الفرص ( بطرق غير أخلاقية وغير قانونية) للزيادة في ارباحهم وفي ممتلكاتهم. فرغبة الكثير منهم في الثراء الفاحش لا متناهية ( وهنا سوف أقاوم رغبتي في ذكر الأسماء).

ما يجمع السياسيين هو انفصالهم التام عن الواقع وهو ما يجعلهم يعتقدون دائما أنهم يستأثرون بالأحقية. هذا مايفسر إعتقاد السياسيين أنهم يستحقون تغيير النظام لصالحهم. على كل، ففي نظرتهم الأنانية، ألم يخلق النظام لهذا السبب ؟


العقد الإجتماعي الجديد :


مازال الكثير لفعله لإدخال « القيادة » التي نحتاج في هذا المناخ الجديد. تونس ليست بجزيرة معزولة عن العالم. نحن ننتمي إلى عالم مترابط ويتطور بنسق سريع. بلغت العولمة أوجها. اصبحنا نعيش في عالم متقارب لكنه منقسم في نفس الوقت. إدارة أمة تحتاج إلى كفاءات جديدة لم تظهر من ذي قبل.
الجيل الحالي والأجيال القادمة تمثل رهانات جديدة بالنسبة للنظام الكلاسيكي. فبظهور وسائل الإتصال الحديثة أصبح من السهل الكشف عن غياب الكفاءة والشفافية والحوكمة. غيرت هذه التحولات نظرة المواطنين إلى المسؤولين وواجباتهم نحوهم وحقوقهم الذين ينتظرونها منهم.
تطورت العلاقة بين السياسين التونسين والمواطنين نحو الحاجة إلى عقد إجتماعي جديد. فرض التحول الذي شهده الإطار الإجتماعي والإقتصادي خصال ومتطلبات جديدة في ما يخص القيادة.
للأسف، فإن أغلب النواب والأحزاب قد مروا بجانب هذا التحول أو تجاهلوه. يكمن المشكل في أن القائد الذي لم يمض الوقت الكافي مع مختلف الأوساط المجتمعية ولم يشاركهم أوجاعهم، أفراحهم و أتراحهم و أحلاهمهم لا يمكن له أن يكون ممثل جيد للمجتمع.
تمثل العوامل المذكورة أعلاه عراقيل تمنع القائد من التواصل مع المجموعة. قادتنا السياسيين لا تحركهم العواطف. تأتي العاطفة من التواصل ومن الإختلاف. يرى البعض في ذلك ضعفا لكنهم مخطئون لإن العاطفة وحدها هي التي تكسب القدرة على الإصغاء وهي التي تكسب القدرة على فهم معنى الكرامة وهي التي تكسب الإحساس بالمظالم التي تحدث كل يوم وهي التي تكسب القدرة على التواصل.
أتذكر أنني نصحت عددا من قادة الأحزاب بأن يمضوا أياما وسط المجتمع ومع العامة ليبتعدوا بذلك عن بذخهم وبرجهم العاجي. فلا شيء يبني الثقة أفضل من تقاسم الزمان والمكان و من المناقشة مع من تريدون تمثيلهم. إن كل القادة العظماء مجمعين وليسوا مفرقين، فهم يستمدون قوتهم من الوحدة التي ترتكز على الإختلاف. زعمائنا السياسيون يخافون ما لا يفهمون ويرفضون كل مختلف عنهم. ما قاله جورج بوش سنة 2001 نراه اليوم في 2018 في تونس  » إن لم تكونوا معنا فأنتم ضدنا. »


القيادة الجماعية :


لا تزدهر تونس الجديدة تحت قيادة شخص واحد مهما تكن عظمته. فمفهوم الزعيم لم يعد صالحا. بتغير وتعقد مجتمعنا الحالي ومثله النظام السياسي فلا بورقيبة ولا غاندي ولا مانديلا يتمكن بمفرده أن يدير شؤون البلاد بسهولة. ما تحتاجه تونس اليوم ؟ العديد من القادة في كل البلاد، في كل المدن وفي كل المدارس وكل الجامعات وكل الجمعيات. العزيمة على التغيير بطريقة جماعية هي الجواب. فإن تعقد المشهد السياسي يفرض مناخا جديدا للتعاون. مناخا تتحد فيه القوى والمهارات من جميع مستويات القيادة من أجل تقدم البلاد.
المهمة صعبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأمة وشعب مثلنا نحن، لأنها تحتاج مشاركة وإلتزام من قبل كل المواطنين. يجب على الأفراد بذل أقصى جهدهم لفهم أن نجاح أو فشل الأمة يبدأ منهم وينتهي اليهم بقطع النظر عن المسؤولين. علينا أن لا نغمض عينينا وأن لا ندفع الرشاوي وأن لا نبيع المواد المدعمة إلى الخارج وأن لا نتحيل في الأداءات وفي الخطايا وفي الفواتير وننتظر في الأخير « الزعيم » كي يأتي بعصاه السحرية ويصبح بطلنا الخارق.
القيادة الجماعية تعني أيضا أن المواطن يحترم المبادئ الأساسية للديمقراطية. إن القيادة الجماعية تنتج حكومة للشعب، من الشعب ولأجل الشعب.
يبدأ التصور الجديد للقيادة الجماعية بإلتزام البلاد بدعم التعاون المثمر في البيت، في المدرسة وفي الوسط المهني. لكن هذا الأمر لا يحدث بإشارة إصبع. يتطلب مشروع القيادة سنوات عديدة كي يأخذ مكانا في الوعي الجماعي. لكن عدم العمل على ذلك منذ الآن يعتبر خطأ -جماعي- فادح و ذو ثمن باهض.

النص مترجم عن مقال أصلي ل:

لطفي السايبي، مختص في إدارة الأعمال وفي القيادة، متخرج من جامعة هارفرد. مستشار في علم الإتصال السياسي ورئيس مكتب الإستشارات 4D Leadership House

لطفي السايبي

تعليقات