انتصرت المرأة لكن الرجل لم يخسر.

لم يكن يوم 13 أوت 2017 كغيره من أعياد المرأة التي نحتفل بها كل سنة، إذ مثل خطاب رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي مرحلة جديدة سيدخلها المجتمع التونسي وسيكون خلالها في طليعة الشعوب العربية على مستوى الحقوق والحريات.

لاقى خطاب رئيس الجمهورية -الذي أعلن فيه الشروع في إصلاحات قانونية للمسواة التامة بين المرأة والرجل بما في ذلك الميراث- إستحسانا كبيرا لدى جميع الفئات وإعتبر الكل أن هذا التعهد الذي قطعه رئيس الجمهورية يمثل مكسبا هاما وتاريخيا للمرأة التونسية. لكن سرعان ما تحول النقاش -على المواقع الإجتماعية خاصة- إلى إستعراض عضلات و إحتفال بإنتصار المرأة على الرجل. إن كان الحديث في هذا الموضوع من قبيل المزاح فهذا مقبول لكن أن يؤمن الناس بهذه الأفكار فهو خطأ وخطر على تناسق المجتمع.

فتونس فيها رجال ونساء، ناضل كل من جهته كي يرتقي المجتمع، وبما أن المرأة التونسية برهنت من قديم الزمان أنها من طينة خاصة فقد حجزت لنفسها مكانا لا يستهان به في سدة قيادة البلاد على عكس أغلب الدول العربية التي لا زالت المرأة فيها ترزخ تحت “الديكتاتورية الذكورية”. هذه النقطة المضيئة لا تشع على المرأة وحدها، بل على كل المجتمع إذ يعني هذا أن في تونس رجال آمنوا بكفاءة المرأة و اعدوا لها مكانا في الصفوف الأمامية لتكون شريكة ضرورية لتقدم البلاد. ولا يعني هذا إن للرجل فضل على المرأة، بل فقط حدث ما يجب أن يحدث كما رسمت مبادئ الطبيعة. فالنقطة التي تحسب للرجل هنا هي عدم تبجحه ب”أفضلية ذكورية” زائفة، كما يحدث في الأمم المتخلفة.

فلا ننسى أن في تونس مصلحين اهتدوا قبل غيرهم إلى المكانة التي يجب أن تشغلها المرأة في مقابل الجحود الذي تتعرض له، فالمحاولات الإصلاحية لم تبدأ من الآن، إذ كان هنالك الطاهر الحداد وغيره من المستنيرين الذين عملوا على التخلص من المعتقدات القديمة، ولا ننسى أيضا أن المرأة اكتسبت حقوقها في تونس تباعا بفضل رجال ونساء لم يفوتوا أية فرصة للمضي قدما في مبدأ المساواة واللحاق بالأمم المتقدمة.

فهناك رجال حاربت من أجل “الصداق القيرواني” الذي أنهى تعدد الزوجات في القرن السابع ميلادي ، ورجال حاربت من أجل مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، التي وضعت المرأة التونسية في درجة عليا مقارنة بنظيرتها العربية والإصلاحات عديدة كإلغاء واجب الطاعة وإرساء مبدأ المساواة بين الزوجين في الواجبات والحقوق وتغليب الحضانة على الولاية في بعض الصور بمقتضى القانون الصادر سنة 1993 وغيره من القوانين والإصلاحات وصولا إلى مبادرة الباجي قائد السبسي إن نجح في تجسيدها.

نفهم من ذلك أن حقوق المرأة هي سيرورة زمنية و ملحمة تاريخية حققها رجال ونساء آمنوا بحقوقهم وحرصوا على واجباتهم وما خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 أوت 2017 إلا حلقة من حلقات هذه الملحمة، فكفوا رجاء على الحديث عن تغير في موازين القوى وعن إنقلاب للمرأة على الرجل وعن إستقلال وعن جلاء وعن كل المصطلحات التي لا محل لها. حتى المزحة التي اطلقها نشطاء الفايسبوك (المرأة 1 – الرجل 0)، على ظرافتها لا يجب أن تأخذ حجم أكثر من الذي أخذته.

تعليقات