لم يجف الحبر بعد حول مركب المهاجرين الذي اصطدمت به بارجة عسكرية تونسية. مازال انتشال الجثث من عمق البحر يزيد الأسى لوعة ويزيد الحزن ألم. لكن، هذه الحادثة، على أهميتها، لا تمثل سوى عينة مرئية من آفة تأكل الشباب وتبكي الأمهات منذ سنوات. لئن تم طرح النقاش في عدة منابر و عدة مناسبات حول ملف “الهجرة السرية” إلا أن الموضوع مازال يلقي كل مرة خبايا جديدة ويحتفظ بأخرى، تماما مثل البحر الذي أغرق العديد من الشباب والكثير من الأحلام وما لا يحصى ولا يعد من القصص والمغامرات. تحقيق…

إذا كانت زرقة البحر وصفاء السماء، مؤشرات للإستمتاع بالنسبة للبعض إلا أنها لا تمثل سوى إشارة للعبور إلى أوروبا بالنسبة للبعض الآخر.

الهجرة، غير الشرعية “الحرقة”، إسم على مسمى :

قد تختلف طرق الهجرة غير الشرعية من منطقة إلى أخرى في البلد نفسه. ففي مناطق معينة تجد مسفرين للشباب، وهم أشخاص يعملون مثل وكالات الأسفار ومنظمي الرحلات، أي أنهم ينظمون الرحلة إلى أوروبا دون المشاركة فيها في أغلب الأوقات. في مناطق أخرى، تكون العملية أكثر بساطة فالشباب المسافرين ينظمون الرحلة بأنفسهم بشراء المعدات من أكل وشرب وسجائر وبوصلة و مركب يتم التفاهم حول حجمه وسعته وطاقة تحمله … ثم يتم إسناد مهمة “الرايس” أي القبطان الذي سيقود الرحلة إلى أكثر المسافرين خبرة في مجال الملاحة. أي من سبق وإن إجتاز الحدود خلسة. عاميا، نعبر عن هذه الظاهرة ب”الحرقة” كتعبير عن تجاوز القانون المانع لمغادرة البلاد دون رخصة. يفيد المعنى أيضا، الحرقة، التي يخلفها هذا النوع من الرحلات في قلوب الأمهات والعائلات.

الأسباب كثيرة والهدف واحد

قد نتعنت عن الموضوع حين نحاول حصر الأسباب الدافعة للهجرة في بضعة أسطر. في المقابل، هناك تحولات إجتماعية عميقة وجب أخذها بعين الاعتبار لفهم هذا الشباب وحمايته.
يخطئ من يظن أن الدوافع الرئيسية للهجرة هي فقط البطالة والفقر. يعرف الشباب اليوم أن أوروبا أيضا في أزمة وأن بقائه في تونس قد يكون أضمن له بإعتبار عائق اللغة و صعوبة التأقلم التي سيواجهها في أوروبا، لكنه مصر على المغادرة.

منذ سنوات كان الناس يهاجرون إلى أوروبا هربا من البطالة والفقر، أما الآن فهناك دوافع اخرى للهجرة وتلك العوامل ( لبطالة والفقر) لم تعد سوى محفزات إضافية للهجرة لأنها تزيد الواقع مرارة، كما أنها تجسد وتعمق كل الآلام التي نشعر بها في بلادنا وقد لا نقدر على تشخيصها و لا الحديث عنها.

قد يعاني الشاب التونسي من الفقر كغيره من شباب عدة دول سواء إن كانت عربية أم لا. لكن، هناك صفة أخرى تميز هذا الأخير ألا وهي انفتاحه على العالم وتأثره بالثقافة الغربية وخاصة الأوروبية.

حياة بلا طعم :

في تونس يعاني الشباب من الهوة بين الأجيال. إذ لا تتناسب عقليته وطبيعة عيشه مع القوانين والعادات والأعراف المفروضة عليه والتي أعدت أساسا للأجيال التي سبقته. لن نتحدث كثيرا في علم النفس الإجتماعي لكن علينا أن نعترف على الأقل، أن حياة الشباب أصبحت بلا طعم، فلا البنية التحتية ولا المعاملات بين الناس ولا العادات والمسلمات التي نتبعها، تسمح بأن نعيش كما حلمنا أن نعيش. يوضح أحد الشباب الذي لم يتجاوز سنه الخامسة والعشرين ” طبعا حياتنا بلا طعم، وسأعطيكم مثالا بسيطا، هل استطيع أنا أن أعيش قصة حب ؟ لا لباسي ولا يدي المتورمتين من “المرمة” ولا البنية التحتية ولا وسائل النقل تسمح أن نعيش هذا الحلم الجميل. حتى لهجتنا غير مطابقة أن تكون لغة جميلة للعشاق. وحدهم سكان المناطق الراقية يمكنهم الحديث عن الحب لسهولة التنقل وسهولة الاتصال، حتى التعليم الذي تلقوه والثقافة التي اكتسبوها من خلال السفر والتلاقي مع الناس تسمح لهم التحادث بلغة لطيفة تشرح الصدر. هناك في أوروبا، الحب مجاني فعامل النظافة والفلاح والطبيب والوزير متساوون عندما يطرق الحب بابهم. فهناك الفضاءات الجميلة المفتوحة للجميع و وسائل النقل العمومية المعدة لنقل الناس (احنا كيف تمشي تقابل صاحبتك ديجا تتمرمد في الميترو)، فيمكن حينها للبشر أن يعيش ما يجب أن يعيشه وأن يعبر عن ما يشعر به ليكون في توافق تام مع نفسه.
بلغة أوضح، النزعة نحو الهجرة لا تنتهي بمجرد أن يجد الإنسان عملا يوفر له حاجياته، فالأمر يتعلق بجودة الحياة التي لا نؤمن بها بالرغم من أن المصطلح يستعمل أحيانا في الحملات الإنتخابية.

الهجرة في الثقافة الشعبية :

لم تعد الهجرة مجرد ظاهرة إجتماعية، بل تغلغلها في المجتمع خول لها أن تكون حاضرة في المخيال الشعبي الجديد وفي الثقافة الشعبية سواء كان ذلك في الشعر أو المسرح أو الفن بصفة عامة. اللوعة التي يخلفها المهاجر في نفوس عائلته الهمت المبدعين فأصبحنا نتغنى بأغاني الحرقة التي أصبحت من أشهر الأغاني الشعبية مثل ” يا رايس البعبور ” أو ” خارج متعدي الحدود”. مع تطور التكنولوجيا تغلغلت ثقافة الحرقة أكثر في المجتمع. الظاهرة هو أن اصبحنا نشاهد كثيرا، شباب وهم ينزلون بث مباشر لرحلاتهم البحرية “حرقاتهم.  أصبحنا أيضا نرى صفحات خاصة ببعض المدن على صفحات التواصل الإجتماعي وهي تنقل لحظة بلحظة أخبار أبناء البلدة “الحارقين”.

رأي الشباب :

مثلما ستكون العادة، نخصص مجالا كبيرا للشباب حتى يعبروا عن ارائهم في المواضيع الإجتماعية وسننقل مساهاماتكم كما هي، دون إضافات لأنهم الأقدر على تشخيص الواقع وإقتراح حلول بعيدا لغة السياسين الجافة والأفكار المسبقة التي يتوارثها المجتمع.

 

 

 

 

تعليقات