ينتمي حنبعل إلى عائلة برقا القرطاجية وهو الأكثرهم شهرة. تضم العائلة 4 جنرالات : اميلكار وابناؤه الثلاثة، حنبعل، صدربعل وماغون. إجتاح كل منهم إيطاليا، لكن ليس بهدف الغزو بل من أجل الدفاع عن قيم الحرية والفدرالية التي كرستها قرطاج منذ تأسيسها في القرن التاسع قبل الميلاد.

عندما ولد حنبعل، كانت قرطاج قوة تجارية عظمى وتستحوذ على الحوض الغربي للبحر المتوسط. كان والده اميلكار شخصية مرموقة في ذلك الحين. فهو زعيم حزب الإصلاحيين وقائد الجيش وبطل حرب صقلية (الحرب البونية الأولى).

خلال الحرب البونية الأولى،  كان اميلكار يطالب مجلس الشيوخ بإجراء إصلاحات عسكرية فتم تسميته قائدا للجيش وإرساله لمحاربة الرومان في صقلية. كان المبتغى من هذا القرار هو إيقاعه ا في الفخ وتحميله مسؤولية الهزيمة لإيمان مجلس الشيوخ بإستحالة الإنتصار، إلا أن اميلكار تمكن من بث روح جديدة في الجيش وقلب المعطيات لصالحه.

رغم عدم انهزامه في الحرب، إلا أن اميلكار كان مرغما على إيقاف تحركاته العسكرية. إذ إستغل مجلس الشيوخ القرطاجي “هزيمة” في معركة بحرية عرضية – لا يحتمل أميلكار مسؤوليتها- لتوقيع إتفاقية سلم مع روما وإعلان الهزيمة. إعتبر اميلكار هذا الموقف خيانة وإستقال من قيادة الجيش. في الحقيقة، ما دفع مجلس الشوخ القرطاجي إلى إعلان الهزيمة هو الخوف من إنتصار أميلكار على الرومان وإزدياد شعبيته وهو الغريم السياسي لهم.

ترتب عن هذه “الهزيمة” في 241 ق.م، نشوب حرب المرتزقة والتي كادت أن تعصف بالعاصمة البونية قرطاج، لو لا عودة اميلكار الذي إستطاع بجيش صغير أن يعيد السلم إلى المدينة (كانت  المعاركة تدور عامة جندي واحد ضد عشرة مرتزقة و كان آخرها واقعة المنشار)

المنشار في شرق الحمامات، ولاية نابل ، هنا أوقع اميلكار المرتزقة في الفخ (?)

خرجت قرطاج منهكة من هذه المعارك، فاستغلت روما الوضعية لإعلان الحرب من جديد.

مرغمة، قبلت قرطاج كل الشروط التي فرضها الرومان : ضم سردينيا وكورسيكا، بالإضافة إلى الترفيع في قيمة اضرار الحرب.

وعيا منه بخطورة الموقف وتدهور الأوضاع، تخلى أميلكار عن الطموحات السياسية رغم الفرصة السانحة أمامه, لينكب على تنفيذ خطة قادرة على إعادة بريق وإشعاع قرطاج.

تفاوض اميلكار مع المصلحين حول إصلاح عسكري، يتمكن بمقتضاه الجيش من إختيار قائده. عندما اختارته الجيوش ليقودها، أقدم في 236 ق.م على إجتياح ايبيريا المعرفة بثرائها آنذاك.

عند موته في 228 ق.م، ترك اميلكار دولة قراطجية – ايبيرية ثرية. تمكنت قرطاج من تعويض الأراضي التي خسرتها و التوسيع في شبكتها التجارية. وقد استطاعت ايبيريا أن توفر ثروات فلاحية ومنجمية مهولة.
شبه الجزيرة الإيبيرية
لم يكن خليفة اميلكار، سوى صهره صدربعل (هناك صدربعل برقا إبن اميلكار وصدربعل لوبو صهره) الذي واصل بناء الدولة “القرطاجية- الإيبيرية” متقدما بإتجاه الشمال وقد أسس في 227 ق.م عاصمة أخرى سميت قرطاج الجدية كارتاخينا حاليا (قرطاجانة). سنة 227 ق.م،  بدأ صدربعل في التفاوض مع روما التي أبدت قلقها من النمو السريع لغريمتها قرطاج. تم الإتفاق على أن تنتهي نفوذ قرطاج في حدود نهر إبرُه الذي أعطى أسمه لايبيريا.
نهر إِبْرُه بشمال شرقى إسبانيا

اغتيل صدربعل في 221 ق.م. بعد ذلك، اختارت الجيوش القرطاجية حنبعل برقا ليكون قائدها وكان عمره 26 سنة آنذاك.

أقر المؤرخ تيتوس ليفيوس، أن حنبعل كان يحسن الطاعة والقيادة على حد سواء. فكان أحسن الجندود كما كان أحسن الضباط. مثقف، متقن لللغات، وبسيط مما أكسبه حب رجاله الذين اظهروا له الولاء والإخلاص في كل مرة أعطى فيها التعليمات.

تجلى دهاء حنبعل منذ مسكه بزمام الأمور وكان ذلك خلال معركة تاجة في 220 ق.م, حيث أحسن إستغلال الميدان ليربك تنظيم العدو و سلط عليه بعد ذلك كل قوته.

 

حنبعل هو أب التكتيكات العسكرية الأنجع والأروع عبر التاريخ. كان جيش حنبعل يضم وحدات مختصة مثل المغاوير (الكومندوس)، فوج للعبقرية الحربية، فوج يهتم بالإتصالات ، فوج لطباعة العملة وفوج للتجسس. وقد قال المؤرخون القدامى أن شبكة التجسس لحنبعل يصل مداها حتى مجلس الشيوخ الروماني. كانت الأركان العسكرية تضم جنودا من كل البلدان المتحالفة مع قرطاج. من ليبيا إلى إسبانيا. أما الجنود فينحدرون من كل بلدان الحوض الغربي للمتوسط. لم يكونوا مرتزقة بل جنود من بلدان متحالفة.

مازالت التقنيات التي استعملها حنبعل تدرس اليوم في أكبر المدرس الحربية وأشهرها كما تستعمل في أعتى المعارك.

تمثال نصفي لحنبعل عثر عليه في مدينة كابوا الإيطالية، هو الآن في قصر الرئاسة في روما
الصورة أخذته لما تمت اعارته إلى قصر الرئاسة في قرطاج خلال تظاهرة “حنبعل في قرطاج”

إلى اللقاء في الأجزاء القادمة

تعليقات