بعد نصف قرن من وقوعها، أرخ بُولِيبِيُوس الحروب البونية. كانت غايته الرفع من قيمة سكيبيو الإفريقي جد سيده سكيبيو الإيميلي. لأجل ذلك إخترع أحداثا وهمية :” حنبعل يعلن الحرب من جديد و هزيمته في معركة جامة ZAMA “. بهذه الطريقة حاول بوليبيوس محو هزيمة كاناي المذلة التي لحقت الرومان جراء عبقرية حنبعل.

لكن هذه الرواية لبوليبيوس فندت بفضل الإكتشافات التاريخية والأثرية.

ليست الحجة الوحيدة هي أنه لم يتم العثور على “جامة” إلى حد الآن، بل لأن الأحداث التي جدت بعد الحرب هي التي كذبت ما قاله بوليبيوس :

بقي حنبعل على رأس الجيش ثم انتخب رئيسا للجمهورية على عكس سكيبيو الذي أتهم بالفساد في بلاده.

الحجة الدامغة :

حسب إتفاقية السلام التي “وثقها”، بوليبيوس في تأريخه للحروب البونية، فإنه يحجر على قرطاج إمتلاك جيش بحري، بيد أن الأبحاث الأثرية برهنت بعد ذلك أن الميناء البونيقي الحربي والذي يتسع إلى 220 سفينة حربية تم تشييده بعد الحرب. يعني هذا، أن قرطاج حافظت على كل قوتها العسكرية ولا مجال للحديث عن إنتصار روماني.

الميناء البونيقي الحربي

انتخب حنبعل رئيسا للجمهورية في 196 ق.م أي 7 سنوات بعد انتهاء الحرب. رغم أن القانون القرطاجي لا يخول للرئيس أن يحكم لفترة تزيد عن سنة واحدة إلا أن ذلك الوقت كان كافيا لحنبعل ليحارب الفساد ويؤسس إقتصادا قويا ومنيعا.

حنبعل في الشرق :

في 195 ق. م توجه حنبعل نحو الشرق لكن لم يكن هاربا كما روج لذلك بوليبيوس. سافر حنبعل ليتحالف مع أكبر أعداء روما، الملك أنطيوخوس الثالث للتفكير معا في هجوم مزدوج على إيطاليا. لم يأخذ الملك بنصائح حنبعل فخسر الحرب.

في 191 ق.م، توجه حنبعل إلى”كريت” ليجمع قوات قادرة على مهاجمة روما لكن المسؤلين في قرطاج رفضوا ذلك.

جزيرة “كريت” في اليونان

حنبعل، مهندس معماري :

في 189 ق. م، توجه حنبعل إلى أرمينيا حيث كان مستشارا للملك أرضاشيس الأول لبناء العاصمة الجديدة أرتاشات (أرارات).

أرتاشات كما تبدو اليوم

في 187 ق. م، توجه إلى بيثينيا تحت حكم بروسياس الذي أعانه حنبعل على هزم “يومين” حليف الرومان.

شيد حنبعل لبروسياس عاصمته الجديدة، بورصة التي أصبحت في ما بعد عاصمة للعثمانيين.

مدينة بورصة الآن، مصنفة من أجمل المدن السياحية في العالم

حنبعل كاتب :

في منفاه الاخير حيث أنهى حياته، كتب حنبعل كتابين فيهما تحذير للإغريق حتى لا يخسرو استقلالهم :” رسالة إلى الآثينيين” و-“رسالة إلى الروديسيين “.

موت حنبعل

لم تنعم روما بالراحة طول فترة حياة حنبعل. بعثت روما بسفيرها فلامينيوس إلى بروسياس مطالبة برأس حنبعل. ذات يوم من سنة 183 ق.م، إكتشف حنبعل أن كل ابواب قصره محاطة بالرومان حتى السرية منها، فأقدم على شرب السم الذي كان يختزنه في خاتمه مفضلا الحرية على الحياة.

التضليل الروماني :

عرف تاريخ قرطاج الكثير من التضليل من قبل روما التي ارادت حجب إسم حنبعل بعد أن أصبح رمزا للحرية. لهذا، تقيد جميع مؤرخي روما على نقل دهاء حنبعل التكتيكي فقط ، مخفين نضاله من أجل الحرية وإستقلال الأمم. لكن، منذ فترة قصيرة من الزمن، ضهرت صورة أخرى لحنعبل أكثر لمعانا وأكثر إشعاعا بفضل ما وصل إليه البحث التاريخي.

موت حنبعل

لا يعني فوز روما أنها تمكنت من صد قوات برقا لكن يعني أن حكام قرطاج تخلوا عن مسؤلياتهم في صراع لم يفهموا ابعاده ويعني أيضا أن حنبعل كان يفيده إنسانية فرفض شن حرب إبادة على أعدائه.

لم يكن لروما نفس الفيض من المشاعر فقد اقدمت على حرق قرطاج. كان توحيد المتوسط هو هدف قرطاج الذي وصلت إليه روما لكن على حساب الحرية والإختلاف. هيمنت روما على الشعوب الأخرى وجردتها من خصوصياتها وفرضت الحضارة الرومانية كمنوال يجب اتباعه، فكانت النتائج السياسية والثقافية والاجتماعية كارثية.

يعلمنا تاريخ حنبعل أن الحرية لا تقبل المساومة.

مازال الصراع الذي يخوضه حنبعل متواصلا، لأن الإمبريالية التي يحاربها العالم اليوم كان قد حاربتها قرطاج منذ القديم لكن سوء تقدير السياسين آنذاك وعدم استشرافهم للمستقبل حال دون الإنتصار، وها ها نحن اليوم مازلنا في نفس المربع من حرب التحرر.

تعليقات