بعد غياب طويل عن الساحة الاعلامية، عاد لطفي زيتون المستشار السابق للحكومة والرجل المقرب من راشد الغنوشي إلى الظهور مجددا ليخطف الأضواء بفضل تصريحاته الجريئة. قراءة…

عاد لطفي زيتون إلى الساحة من باب الكتابات الصحفية، فمنذ شهر جانفي الفارط بدأ مستشار رئيس حركة النهضة في التحرير والنشر في المواقع الإعلامية، حيث أعطى رأيه في موضوع “القانون 52” المتعلق بإستهلاك المخدرات مصطفا حينها إلى جانب الشباب داعيا سلطة القرار إلى تجنب العقوبة السجنية في حق مستهلكي المخدرات الخفيفة، ثم واصل في مقال صحفي آخر الدعوة إلى رفع القيود عن المفطرين في شهر رمضان، ثم أكمل الحديث عن الشذوذ الجنسي مصنفا هذه الظاهرة في خانة الحريات الفردية ليطل علينا مؤخرا عبر موجات إذاعة RTCI ليعود على كل هذه التفاصيل مؤكدا موقفه ليظهر بذلك في ثوب الحداثي المؤمن بالحريات الفردية متجاوزا بذلك في جرأته العديد من الوجوه السياسية التي عرفت بمواقفها الكاسرة للمحرمات والقيود الاجتماعية. ففي ظاهرة الشذوذ الجنسي مثلا، يعتبر لطفي زيتون من القلائل المتفهمين لهذه الظاهرة في حين اختارت عديد الأصوات المنادية بالحرية الصمت في هذا الخصوص لما يتضمنه الموضوع من تعقيدات وسوء فهم قد يعصف بصورتهم وسمعتهم السياسية.

رغم المفارقة بين العائلة الفكرية التي ينحدر منها لطفي زيتون (حركة النهضة، الاتجاه الاسلامي سابقا) ومواقفه الأخيرة (الكثير من الحريات ولا رقابة على الافراد) فنحن لا نشك في صدق ما يقول لكن الطريف في الأمر هو اللغة التي يستعملها زيتون في الكتابة والتعبير عموما، فقد اختار لطفي زيتون اللغة الفرنسية ليعبر عن إيمانه بالحريات ومساندته لقضايا التحرر وكأنه يريد أن يقنع فئة ما أو جهة ما بتغير حاصل في عقيدته وفي أفكاره.

في حقيقة الأمر، ما صرح به لطفي زيتون في الآونة الأخيرة لا يتناقض مع تصريحات أخرى في السابق، إذ أنه لم يتدخل سابقا في حريات الناس ولم يكن وصيا على ضمائرهم كما فعل بعض اصدقائه من المنتسبين إلى الحركات الدينية. فمجمل تدخلاته كانت تخص العمل السياسي وخاصة العمل الحكومي عندما كان مستشارا سياسيا لدى رئيس الحكومة حمادي الجبالي.

لكن، يبدو أن هنالك خيطا رفيعا يفصل بين حقبتين. الحقبة الأولى عندما كان لطفي زيتون يصرح بالعربية والحقبة الثانية عندما أصبح يصرح بالفرنسية.

ففي سنة 2012 عندما كان يتصدر المنابر الاعلامية الناطقة باللغة العربية، ظهر لطفي زيتون بصورة “النموذج” لرجل السياسة الاسلامي فرغم عدم تشدد مواقفه إلا أنه كان لطيفا مع المتشددين وقاسيا مع المعارضين. ففي تصريحاته الإعلامية كان على غرار رئيس حركته راشد الغنوشي، يدعو إلى الحوار مع الشباب السلفي وكأنه يبحث عن لهم عن موطئ قدم داخل المشهد الاجتماعي والسياسي التونسي بينما كانت تصريحاته حادة مع الأحزاب المعارضة الذي “تشاركه” في الفكر الديمقراطي.

 

 

نفس الشيء بالنسبة للثقافة، لم يكن صدره يتسع كثيرا للاعمال الثقافية فهو الذي أثار ضجة حول برنامج “اللوجيك السياسي” في 2012 لم تضمنه هذا البرنامج من نقد لاذع للحكومة.

في 2017 ظهر لطفي زيتون أكثر تصالحا مع “ الفئات المبدعة” إذ لم يخفي اعجابه وانبهاره بالدور الذي لعبته الممثلة التونسية “هند صبري” في مسلسل حلاوة الدنيا.

من الطبيعي أن تثير هذه التباينات إذن إهتمام الرأي العام التونسي، فهنالك من يرى أن ما  يقوم به زيتون لا يعدو أن إلا يكون خطة اتصالية من مخرجات المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي أفرز فصل الدعوي عن السياسي بينما يرى آخرون أن الظرفية العالمية وتشديد الخناق على حركة الاخوان دفعت بحركة النهضة إلى الإنفصال عنها ليتاح المجال إلى قيادتها كي يكونوا كما يرون أنفسهم وأن يعود كل منهم إلى معدنه.

لا ننسى، في هذا الصدد، أن لطفي زيتون عاش ولسنوات طويلة في بريطانيا إحدى أعرق الديمقراطيات في العالم مما أثر، حتما، في طريقة تفكيره و في نظرته للأشياء، خاصة المتعلقة بالحريات، شأنه في ذلك شأن العديد من المنتسبين لحركة النهضة ممن عاشوا المهجر. فيمكن وقتها القول أن المفارقة الأساسية لا تكمن بين تصريحات لطفي زيتون بداية من 2011 وتصريحاته ما بعد 2014, بل تكمن المفارقة بين ما أتى به زيتون من فكر بعد عودته من الغرب وبين انتظارات قواعد النهضة التي شردت في تونس والتي كانت تعيش على حلم دولة كما تصوروها عند نشأة الحزب. ربما أدرك حينها زيتون (في 2011) عدم جدوى هذا المشروع وإستحالة تحقيقه لعدم تناغمه مع الواقع كما أدرك أيضا إستحالة إقناع قواعد النهضة بمشروع غير ذلك فخير التروي والتمسك بالمبادئ العامة للحزب على الأقل لفترة بعيد الثورة (حتى 2014).

اليوم، وبعد تجربة الحكم في تونس، وبعد الأحداث التي رافقت تجربة الإخوان في مصر و بعد ما حصل من مستجدات عالمية بات من الضروري بالنسبة لحركة النهضة أن تجري تعديلات على مبادئها وعلى آليات عملها وهو ما حصل فعلا تحت تأثير بعض القيادات الفاعلة ورغم رفض قيادات أخرى. لن نذيع سرا إذن لما نقول أن لطفي زيتون وعدد آخر من القياديين اصبحوا يمثلون الوجه الجديد للنهضة الذي لم يقبله عدد كبير من ابنائها ما ولد حالة من الغليان داخل الحزب وهو ما يعتبر امر طبيعي في الحياة السياسية.

فقد تأتي المرحلة القادمة إذن بجديد، إما سيطرة الأفكار الحديثة على تمشي الحزب او إنفصال بين اصلاحيين ومحافظين كما هو الحال في تاريخ كل الحركات السياسية. في كل الحالات سيكون الإصلاحيين في حركة النهضة مطالبين -معنويا-  بكشف عدة حقائق للشعب التونسي وأهمها جرد مفصل للنقاط التي تفرق بينهم وبين المحافظين في الحزب. حري بنا التذكير، أن الأفكار التي دافعت عنها في 2011 – حتى إن لم يدافع عنها الإصلاحيين فإنهم لم يعارضوها-  كانت في مجرى آخر من  مبادئ الثورة وكادت أن تعصف بالمسار الديمقراطي لتونس  وتدفع به إلى المجهول.

 

تعليقات