لا تزال مسألة زواج التونسية بغير المسلم تثير جدلا قانونيا وإجتماعيا لا سيما بعد صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. تفاقم الإحراج خصوصا بعد تصريح فتحي العويني رئيس بلدية الكرم أنه أسدى التعليمات كي لا يحرر هذا النوع من عقود الزواج وكذلك الحال بالنسبة لحادثة الحمامات حيث إمتنع عدد من عدول الإشهاد عن ابرام عقد زواج مختلط.

في هذا الصدد، اتصلنا بالأستاذ طارق الجلاصي، عدل الإشهاد لتفسير هذه المعضلة فأفادنا بما يلي :

أ. طارق الجلاصي عدل الإشهاد

أين المحكمة الدستورية ؟

نص القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014 يتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين
بالفصل الثالث منه على أنه تتولى الهيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين نائبا على الأقل.
يقصد بمشاريع القوانين كافة النصوص التشريعية المصادق عليها من المجلس الوطني التأسيسي أو مجلس نواب الشعب والتي لم يتم ختمها بعد.
وتعتبر سائر المحاكم غير مخولة لمراقبة دستورية القوانين.
ونص دستور الجمهورية التونسية بالباب الخامس منه تحت عنوان السلطة القضائية بالقسم الثاني منه تحت عنوان المحكمة الدستورية بالفصل 120 فقرة رابعة على أن المحكمة الدستورية تنظر في القوانين التي تحيلها عليها المحاكم تبعا للدفع بعدم الدستورية بطلب من أحد الخصوم في الحالات وطبق الإجراءات التي يقرها القانون.
وبالنظر إلى المرجعين المذكورين فإن اليوم الدولة التونسية تعيش حالة فراغ فيما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين حيث أن القانون الاساسي المذكور لا يخول إلا مراقبة مشاريع القوانين وهو جزء من مهام المحكمة الدستورية لو كتب لها أن تأسس والفصل 120 رابعا ما يزال لم يرى النور بعد وبالتالي فإن أي نص قانوني مهما كتب له أن يخرق مبدأ الدستورية فلا رقيب عليه ولا مصوب لانحرافه وأيا تكن جسامة خطورته على الحريات الفردية والعامة.
وفي هذا المجال يندرج موضوع أسال الحبر هذه الأيام وهو مسألة زواج المسلمة بغير المسلم.
لقد نص الفصل 5 من مجلة الاحوال الشخصية التونسية على أنه من موانع الزواج الموانع الشرعية دون أن يحددها وطالما أن المرجعية شرعية فإن العودة بكامل البساطة إلى هذه الموانع نجد من بينها عدم جواز زواج المسلمة بغير المسلم في القانون التونسي وهو من موانع تحرير عقد الزواج إلا متى أدلى بشهادة من مفتي الديار التونسية تنص على اعتناقه الدين الإسلامي.
ولئن ليس مجالنا التذكير بالقرارات التعقيبية التي اعتبرت ان قول الشهادة من غير مسلم أمام عدلي اشهاد وتلقيهما منه ذلك والتنصيص عليها صلب حجة يحررها العدلان تقوم مقام شهادة دار الإفتاء فإن صدور منشور الوزير الاول بتاريخ سنة 1973 بالتذكير بوجوب الإمتناع عن تحرير عقد الزواج لغير المسلم الذي لم يدلي بهذه الشهادة ويروم الزواج بتونسية مسلمة وأيا تكن ظرفية اصدار هذا المنشور وتاريخية التسبيب الشخصية المرتبطة بإبنة الوزير الأول في تاريخها فإن صدور منشور رئيس الحكومة الأخير فيما يتعلق بإلغاء منشور 1973 وان اسباب منع تحرير زواج مسلمة بغير مسلم قد زالت دون أن ينصص صلب المنشور أو يوضح هذه الاسباب والتي هي حقيقة تتعلق برفع الجمهورية التونسية لتحفظاتها عن اتفاقية سيداو المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وخاصة فيما يتعلق بالمساواة بينها وبين الرجل في حرية اختيار القرين بكامل الإطلاق أي بما فيها الزواج بغير المسلم وهي معاهدة دولية صادقت عليها تونس بقانون سنة 1985 أي أنها أقوى من القانون وبمعنى أصح أصبحت أقوى من الفصل 5 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية غير أن هذا المبدأ لا يؤخذ على إطلاقه فغير المسلم يكون كتابيا ويكون غير كتابي والموانع الشرعية المتحدث عنها بالفصل 5 المذكور تنطبق على زواج الرجل المسلم التونسي بغير المسلمة غير الكتابية فهو مانع شرعي يستحيل معه ابرام العقد ، واطلاق عبارة المعاهدة الدولية لعبارة مساواة المرأة مع الرجل بالمادة 16 فقرة (أ) : نفس الحق في عقد الزواج ، فإن المنشور الصادر مؤخرا عن رئيس الحكومة يطلق عبارة بغير المسلم دونما تحديد ولم ينص على عبارة نفس الحق للرجل بما يبرهن أن المنشور مرمي بضعف التدليل وسوء فهم لنص المعاهدة الدولية.
ويبقى السؤال المطروح هل أن المعاهدة الدولية تنطبق آليا بمجرد المصادقة عليها بقانون وبنشرها بالرائد الرسمي سواء لها أو عن قرار رفع التحفض والذي يجب أن يمر بنفس الشكلية وهو عرض رفع التحفظ على مجلس نواب الشعب بتوازي الصيغ والأشكال.

مهما يكن من أمر فإن القول بأن منشور رئيس الحكومة قد أعلن رفع التحفظ عن المعاهدة الدولية بما أصبح معه الفصل 5 من مجلة الاحوال الشخصية منقحا آليا مسألة مردودة على أصحابها ولا يمكن العمل على مقتضاها بل على المشرع التدخل بطلب من رئيس الجمهورية على أساس أنه الضامن دستوريا لحماية الحريات خاصة في غياب هيكل رئيسي وهو المحكمة الدستورية التي تمكننا بمفردها من ضمان ممارسة حق الدفع بعدم الدستورية ويكون لها الرأي الفصل في هذه المواقف وفي غيرها ولعل أهم سبب لعدم قيامها اليوم هو هذه اللعبة السياسية للسيطرة على الجانب التشريعي وإبقاء المجال فسيحا لمن يريد التلاعب بالمشاريع وبالقوانين ومن ورائها طبعا الحريات الفردية والعامة.

الأستاذ طارق الجلاصي، عدل الإشهاد

تعليقات