صار من الممكن القول أن لقرطاج، تاريخين إثنين، احدهما كتب بيد أعدائها والآخر تم صياغته والتثبت في تفاصيله من قبل أجيال متعاقبة من المؤرخين وعشاق البحث  الذين استوعبوا أن النسخة القديمة للتاريخ ليست جديرة بالثقة، إذ أن جزء كبير من تاريخ قرطاج رواه لنا “بوليبيوس” الذي كان يعمل تحت امرة “سيبيون الإيميلي”، مدمر قرطاج.

معظم النصوص التي بحوزتنا، كتبت بعد “بوليبيوس” وهي مستلهمة بصفة كبيرة من كتابه وبعض المراجع الأخرى التي اختفت فيما بعد.

ما هو معلوم بالنسبة لنا، أن القرطاجيون كانوا على درجة كبيرة من الثقافة والعلم، إذ أن المكتبات كانت منتشرة بكثرة في العاصمة البونية.

 “بوليبيوس” نفسه اعترف أن “كتب قرطاج قد تركت ليتسلمها الأمراء الأفارقة” ولم تحتفظ روما إلى بكتب ماغون، أول مهندس زراعي في التاريخ وهو ما يعتبر أكبر غنيمة لروما في حربها ضد قرطاج.

بعد المجزرة التي عمدت إليها روما و بعد هيمنة هذه الأخيرة على العالم، تعرض تاريخ قرطاج إلى كثير من “الصنصرة” والتشويه. كان على روما شيطنة جمهورية قرطاج بعد أن دمرتها حتى تبرر الإجرام الذي اقترفته في حقها. فروجت للعالم باسره بان القرطاجيون كانوا بلا أخلاق ولا هم لهم سوى  جمع المال والغنائم، علاوة على ممارساتهم الوحشية كحرق الأطفال وما إلى ذلك من أكاذيب.

كل هذه الإشاعات تم تكذيبها من قبل المؤرخين القدامى من جهة، و من قبل ما أفضى إليه العلم  الحديث  (وسائل بحث)  من جهة أخرى.

حجبت المغالطات لوقت طويل عظمة الحضارة القرطاجنية و نموذجية نظامها السياسي الذي اشاد به أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد : ” قرطاج تحظى بدستور أكثر مثالية وكمال من الدول الاخرى”  (…) ” للقرطاجين، مؤسسات ممتازة مما يؤكد حكمة دستورهم، إذ بالرغم من السلطة المتاحة للشعب فإننا لم نسجل أي تغير مفاجئ في الحكومات و لا أي شيء يستحق الذكر؛ لا إستبداد و لا شغب.”

لنحتفظ بهذه الجملة ” لم نسجل أي تغير مفاجئ في الحكومات”، هذ الإعتراف لأرسطو، يثبت أن قرطاج لم تعرف الإستبداد قط. أي أن منذ تأسيسها في 814 قبل الميلاد, كانت قرطاج جمهورية.

نتكلم هنا عن أول جمهورية في التاريخ، حيث من كانت تعرف بأقدم جمهورية ونعني بذلك “روما”، تأسست في 509 قبل الميلاد أي أنها حديثة العهد بالنسبة لقرطاج بفارق ثلاثة قرون. إذ أنه من الجلي أن جمهورية روما تأثرت كثيرا بخصائص جمهورية قرطاج خاصة في  إعتمادها على  قنصلين إثنين على رأس السلطة التنفيذية.

لكن، رغم أوجه الشبه العديدة فإن دستور قرطاج قد تفرد بمؤسسات على غاية من الثراء والدقة كما أبرز أرسطو في مؤلفه حول دستور قرطاج.

هنا،  لا يسعنا إلا الإستنتاج أن تونس لم تتميز فقط بأول دستور في العالم العربي كما هو متعارف عليه  بل  بأول دستور وأول جمهورية في تاريخ الانسانية. للإشارة فإننا نتحدث أيضا عن أكبر الجمهوريات عمرا وإستمرارية، فقد دامت جمهورية قرطاج 666 سنة متجاوزة بذلك كل الجمهوريات التي اتت بعدها في جميع أنحاء العالم _ و كما سبق ان أشرنا، لا يوجد جمهوريات وجدت قبلها-.

تعليقات