لا حديث هذه الأيام سوى عن قضية « القبلة » بين الجزائري-الفرنسي وصديقته التونسية التي أدت بهما إلى السجن. لاقت القضية جدلا واسعا لا سيما بين الشباب الذين سئموا القيود القروسطية المفروضة على المجتمع. لكن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة إن لم نغير نظرتنا لبعض المفاهيم في مجتمعنا وتشريعاتنا. قراءة…

العودة إلى أطوار الحادثة :

مثل أمام المحكمة الإبتدائية بتونس مواطن يحمل الجنسيتين الجزائرية والفرنسية مصحوبا بصديقته التونسية، وقد وجهت لهما تهمة هضم جانب موظف عمومي أثناء مهامه والقيام بفعل فاضح في الطريق العام و نالا بمقتضى ذلك عقوبة سجنية 4 أشهر ونصف سجنا بالنسبة للرجل و-3 أشهر لصديقته.
لن نتدخل في الأحكام التي اصدرها القضاء ولا في حيثيات الإيقاف لأن هناك ضبابية تلف الموضوع وخاصة أن الرويات تختلف. فهناك من يؤكد أن الإيقاف حدث جراء قبلة بين المواطنين فيما تؤكد مصادر أخرى ان المواطن الجزائري- الفرنسي تجاوز حدوده وإعتدى لفظيا على أعوان الأمن متعللا أنه فرنسي وأنه تحت حماية سفارة بلده.
في المقابل، تمثل هذه الحادثة فرصة لتناول موضوع الحريات الفردية التي ينتهكها المجتمع قبل النصوص القانونية التي تحتاج إلى مراجعة.

المجتمع، الذوق السليم، السلوك الحضاري و « الأخلاق الحميدة »… بين المهم والأهم

تصور لو كان صديق وصديقته أو زوج وزوجته على شاطئ البحر، فقبلها أمام الجميع. سترى حتما امتعاضا شديدا عند كل الناس وسيلاحقهم الجميع بنظرات الحنق والغضب وسترى الآباء والأمهات ينادون أطفالهم ليصرفوا نظرهم عن ذلك المنظر « الشنيع » الذي يخدش الحياء ويمس من أخلاقنا الحميدة. قد يكون ذلك عاديا، فنحن مجتمع محافظ تحكمه عادات وضوابط متوارثة منذ عقود من الزمن إن لم نقل قرون.
من جهة أخرى، لو عمد أحد الأشخاص إلى رمي فضلاته أمام الجميع أو تشاجر مع زوجته أو أحد المصطافين و « أطرب » آذان الناس بما يعرفه من « كلام بذيء » « وسب للجلالة »، فلن يتدخل في شؤونه أحد، و في أقصى الأحوال س »ينال »، نصيحة لطيفة أو عتاب خفيف ولن يتعرض إلى ما ناله الشخص الأول من غضب وحنق وإحتقار.

التقبيل والإغتصاب، أيهما اخطر ؟

لن نريد مقارنة لا تجوز بين أمرين لكن عجائب الصدف هي التي طرحت الأمر في الرأي العام التونسي. فتزامنا مع « حادثة  » القبلة الشهيرة، جدت حادثة إغتصاب لفتاة لم تجاوز ربيعها الرابع عشر من قبل شخصين. أحد شهود العيان، روى، على مواقع التواصل الإجتماعي، كيف وجد الفتاة وهي ترتجف في مقهى، دمائها تنزف وهي خائفة من كل من يقترب منها. روى الشاهد أيضا، ردود فعل بعض الناس الذين حملوا الطفلة المسؤولية مما أثار غضب متصفحي الإنترنات.
لن نتكلم كثيرا عن المجتمع الذكوري ولا نخوض في الأدبيات، لكن هناك هنات تشريعية، تنفيذية وإجتماعية يجب إصلاحها قبل أن تتطور الأمور للأسوأ.

حتى ما هو مجاني اصبحنا ندفع ثمنه غاليا

الإكثار من النصوص القانونية، يقتل القانون :

يعلم الجميع أن القانون الجزائي جعل لحماية المجتمع كما جعل القانون المدني لتنظيمه. ونعلم أيضا أن سن القوانين يتم بناء على قراءة الواقع والمجتمع. ومجتمعنا اليوم ليس نفسه ذلك المجتمع الذي كان يعيش منذ عقود من الزمن.
فمنذ سنوات خلت، لم يكن هناك اختلاط، فبمجرد اللقاء بين الرجل والمرأة تطرح نقاط إستفهام عديدة. لكن اليوم تعلمنا نحن العيش مع الجنس الآخر منذ نعومة أظفارنا، فلمذا نريد تقنين الروابط الإجتماعية إن لم تسبب ضررا للغير.
أصبح المجتمع اليوم منفتحا على العالم، فيعيش الطفل منذ صغره في دائرة حرية أوسع من تلك الدائرة التي كان يعيش فيه والده ووالدته، ثم يكبر وعندما يصبح راشدا أمام القانون يصدم بقوانين لا تتامشى مع دائرة الحرية التي تعود العيش فيها. الخطر هنا، أن ذلك الفرد سيرفض تلك القوانين وسيرفض أيضا القوانين الأخرى التي تنظم المجتمع وتحميه فيفقد آنذاك مفهوم الدولة، وهنا يحدث المحظور. عندما لا يتماهى القانون مع طريقة عيش المواطن ولا سيما الشاب، قد يلجأ هذا الأخير إلى بدائل أخرى نعرفها جميعا ولا يحمد عقباها.

السلطة التقديرية :

عادة ما يمثل هذا الموضوع جدلا واسعا واشكالات عدة خصوصا في ما يتعلق بالتعاطي الأمني و مدى تطبيق القوانين وإحترام الحريات الفردية. قد يكون الأمر عاديا أو على الأقل مفهوما، فتونس تمثل نموذجا منفردا في نمطها المجتمعي الذي يحافظ على هويته العربية الإسلامية فاتحا المجال في نفس الوقت إلى الحريات الفردية المستلهمة من الغرب ، شيء ما يفرز بعض الإحراجات القائمة على مفارقات في تطبيق القانون. علاوة على الإصلاحات التشريعية التي يجب اعتمادها والتي بصدد الإجراء، يجب وضع برامج تكوين لقوات الأمن بصفتهم المخولين والمؤهلين لإعلاء سلطة القانون. ففي تكوين الوحدات الأمنية، يجب الأخذ بعين الإعتبار كل التحولات الحاصلة في المجتمع والإختلافات بين مكوناته لتكون الدولة مرنة وقادرة على احتواء مواطنيها.

السلطة الأهم، التربية :

قد يكون مهد المجتمعات هي التربية. وهنا نجد أنفسنا أمام خيارين إما تربية ناشئة على قيم الجمال والذوق والإحترام ونكون بين الأمم الراقية أو الخضوع إلى ثقافة الكره، لنفرز مجتمعا مكبوتا ومشحونا، ينتفض ضد مشهد قبلة في فيلم، لكنه لا ينزعج أبدا من مشاهد العنف والقتل في الفلم نفسه.

تعليقات