لعل أبرز سمات العمل السياسي في تونس ما بعد الثورة ، هي إضاعة الوقت واهدار المال العام. بين المواضيع العرضية المسقطة والمسائل الإيديولوجية العقيمة و الإشكالات التشريعية تبقى تونس حبيسة الأزمات و تتالي الحكومات، رغم أنها النقطة المضيئة الوحيدة في مسار الربيع العربي.

ضع هذا في البال قبل قراءة المقال :

قدم رئيس الحكومة، يوسف الشاهد يوم الإثنين 11 سبتمر 2017 أعضاء حكومته الجدد أمام المجلس، للتصويت عليهم ومنح الثقة وذلك في جلسة عامة اسثنائية. قبل مناقشة التركيبة الوزارية وتدخل النواب، دعنا نذكر أن القانون لا يفرض على رئيس الحكومة إنتظار ثقة مجلس النواب عند القيام بتغيير وزاري. الفصل المتعلق بهذا الشأن يوجد فقط في القانون الداخلي للمجلس ولا يلزم رئيس الحكومة في شيء. كل ما في الأمر، أن المرور أمام مجلس النواب، عادة دأب عليها رئيس الحكومة السابق السيد حبيب الصيد. قد تكون الفكرة طيبة لكن ليست في هذه الظروف، التي تستحق فيها تونس إلى أفكار، لا إلى تعاليق و تسجيل نقاط.

مجلس النواب أم سوق عكاظ ؟

كي لا نظلم أحدا ونقول أن كل تدخلات النواب سواسية، دعنا نقل أن معظم التدخلات خارجة عن الموضوع وخالية من الأفكار و من القراءات للواقع. كل ينتظرالكلمة، “ليطربنا” بما أعده من مصطلحات أدبية وسياسية وأحيانا شعبوية، فلا تسمع تحت قبة المجلس إلا عبارات من نوع ” عنق الزجاجة”، ” الإقلاع الإقتصادي”، ” أولاد شعب “، ” حكومة مزايدات”، “حكومة حرب”، “المنظومة القديمة”، “لغتنا العربية” وإلى آخره من العبارات التي لا تحمل ورائها أي فكرة كي لا نقول أي معنى.

قاعة المجلس كما تبدو من فوق

عندما تطل من منصة الصحافيين في مجلس النواب، أو عندما تشاهد التلفاز ويتم وضع الكميرا بطريقة عمودية ليتمكن المتفرج من مشاهدة كل المجلس، قد نشعر بإحساس جميل. يمكن القول أننا نعيش في بلاد الديمقراطية : 218 مقعد مجهز كل بمصدح، ليتمكن نواب الشعب من الإدلاء بأفكارهم وشيخ يجلس قبالتهم لينظم الحوار ويترأس الجلسة. كل هذا الجميل، لكن لماذا لا يتم إستغلال ذلك للعبث، والحال أن العديد من المسائل العالقة تنتظر حلول. لن نتحدث هنا عن “عنق الزجاجة” و “أولاد الشعب ” مثل العديد من نوابنا الأفاضل لكن سنذكر مسألة فقط ودون الدخول في التفاصيل وسوف نرى كيف ظلمنا أنفسنا و يظلمنا نوابنا كما سنظلم نحن الأجيال القادمة. لماذا لا يتم طرح مشكلة الخطوط التونسية التي تمثل واجهة تونس أمام العالم وهي الآن في أسوء حالتها والوضع لا زال يتدوهر. ألا يملك 217 نائب ومجلس وزاري كامل القدرة على طرح هذا المشكل وإيجاد حلول أم أنهم سيكتفون بالتعاليق ؟

الأهم، العائق التشريعي :

لن نرمي الورود عندما نقول أن رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد مختلف عن سابقيه. ففي خطاباته وفي طرق عمله، نرى محاولات جادة للإصلاح والعمل، وإن كان هذه المحاولات قليلة نظرا لما تطلبه تونس. فلماذا لا يترجم هذا الوقود الذي يختزنه رئيس الحكومة الشاب إلى عمل ولا يتم تنفيذه ؟ قد لا تكون الأفكار التي يأتي بها يوسف الشاهد عبقرية جدا وقد لا يكون نابغة زمانه في الإقتصاد وفي المالية وفي الادارة … لكن يبدو أنه الأفضل في التحرر من حزبه ومن حلفاء حزبه ومن معارضي حزبه الذين طغى على جلهم الإنتماء الحزبي فيعارضون أفكار فقط لأنها أتت من خصومهم ويدافعون عن أخرى لأنها أتت من حلفائهم، كل هذا وسط مناخ سياسي سمي “التوافق”.
لا يختلف عاقلان أن التوافق هو من جنب البلاد أزمة كبيرة كانت قد تصل إلى ما لا يحمد عقباه، لكن لا يعني هذا أن “التوافق” خليط سحري صالح لأي اشكال و لأي ضاهرة ولأي مرحلة. فما نعيشه اليوم مختلف، فلسنا في مرحلة اعتصامات ولا فراغ حكومي. الرهان اليوم يقتصر في كلمة “العمل” بما تحمله من بعدين : “الأفكار” و” التنفيذ”وكل ما يزيد عن ذلك يعتبر “تشويش”.

ملاحظة : الإقتصار على “الأفكار ” وال”تنفيذ” لا يحب أن يذهب بنا إلى المعنى الدكتاتوري للكلمات. الحريات والحقوق، خط أحمر، يجب على كل مسؤول مراعاتهم عند ادائه لعمله.

 

 

 

 

 

تعليقات