بعد خمسين سنة أو خمسين سنة ونيف سوف ينضب النفط.

ففي غضون قرن من الزمن -من 1950 إلى حدود سنة 2050 تقريبا- سيكون العرب قد بددوا أكبر ثروة في تاريخ الإنسانية، مثلما يفعل الورثاء الغاوون.
سيكون العرب قد اضاعوا فرصة الرقي بمتجتمعاتهم والوصول بها إلى أوج الحضارة، لكنهم لم يفعلوا شيئا غير الحط منها وتوضيعها شيئا فشيئا حتى البلوغ بها إلى الفناء.
هذا الكتاب هزلي، هدفه تقديم رؤيا معكوسة لهذه النظرية التي تبدو حتمية.

لا أصب الزيت على النار، أريد فقط الإمتاع ولما لا الحلم، إذ  يقول أحد الفلاسفة : “الناس العاديين لا يعرفون أن كل شيء ممكن” أرجوكم، وأنتم تقرؤن “عودة الفيل” أن لا تكونوا عاديين.
فقرطاج العظيمة لم تكن مجرد أسطورة، بل كانت هنا، فوق هذه الأرض التي تضعون عليها أقدامكم وقد كانت أكثر البلدان قوة وثراء.
” ففي عصر لا تصنع فيه العظمة إلا بالفكر، كانت قرطاج الأقوى بين كل الأمم”

“دينغ … دونغ” 

…سيداتي و سادتي،  مسافري  الرحلة الجوية عدد 714 ، خط بواتييه رفراف، المكوك الفضائي بصدد الهبوط… يمكنكم التمتع بمشاهدة ميناء رفراف الترفيهي على يمينكم، يمكنكم أيضا مشاهدة  شاطئ الأثرياء  “Mestir Eye ” على مشارف صونين. على يساركم يوجد ملهى جزيرة “البيلاو” وبجانبه تمثال الحرية والكرامة.”

 – إستمتع يا “جون”، خذ مكاني، المشاهدة أفضل من هنا.

– شكرا شادلي، أنا فعلا ممتن.

 تبادل الرجلان المقاعد. تفحص جون المواقع التي اشارت اليهم مضيفة الطيران فلاحظ خليجا تتوسطه جزيرة وبين الإثنين تمثال. إعتقد أن ذلك لا يعدو أن يكون إلا نسخة من تمثال الحرية الأصلي.

إلتفت إلى شادلي مخاطبا :

 – انها لفكرة جيدة أن يكون هناك نسخة لتمثال الحرية.

 تمالك الشاذلي نفسه من الضحك حتى لا يحرج صديقه جون : 

 – النسخة المقلدة موجودة في نيويورك. أما التمثال الأصلي فقد اشتريناه منذ سنة 2060, بعيد حرب الخليج الثانية عشر. هل تريد أن تراه من قرب.

 جون، مستغربا، كيف هذا  ؟

 ضغط الشاذلي على زر بجانب كرسيه فإذا بكل المشهد يظهر على شاشة معلقة أمامه. وضع اصبعه على “عدسة التكبير” فإذا بالصورة تتضح أكثر فاكثر لتبرز ذلك الرداء الأسطوري والتاج الذي يتخذ شكل نجم ثم علق : 

– الحرية تضيء العالم 

 عاد الشاذلي إلى عدسة التصغير، فتراءى كل المشهد من جديد ثم أضاف : 

 – كل مرة أشاهد فيها خليج رفراف أشعر بالانبهار وكأني أشاهده لأول مرة. 

 – اتفهم ذلك، المشهد أكثر من رائع، ليس من الصدفة أن يتهافت أثرياء العالم للمجيء إلى هنا.

 أشار الشاذلي برأسه مبديا موافقته على كلام الشاذلي، لكن بشيء من التحفض فتهافت الأثرياء لا يدعو إلى المفخرة بالنسبة إليه. رغم أن جهته إستعادت نقاءها المعهود – عاد الماء صافيا كما كان الحال في طفولته، حتى أسماك المنكوس عادت للضهور.- فإن عدد النزل والمطاعم والشواطئ الخاصة والمنازل الفخمة أصبح مزعجا بالنسبة إليه. عندما كان صغيرا لم يكن هناك الكثير من الحيطان، كان هنالك الكثير من المسالك الفلاحية المؤدية إلى حقول الكروم ، ليجد زائرها ما لذ وطاب من العنب ذو المذاق السحري. -لم تجدي سنوات من البحوث الزراعية في التعرف على سر “مسكي رفراف”. –

تنهد الشاذلي. -غزت الزراعات المعدلة جينيا العالم مما أدى إلى إختفاء عدد من النكهات الأصلية- كم هي متقلبة الطبيعة ! بهذا المزاج تفحص الشاذلي الشاشة التي أمامه وعدل العدسة على الشمال، فوق صونين، هناك حيث تقع رأس الجبل. 

ثبت شادلي العدسة على منحدر حاد وطفق يبحث عن شيء ما من ذكرياته. كان شارد الذهن مما دفع بجون إلى التساؤل.  لأول مرة يكتشف الأمريكي “عين أميلكار”، التطبيقىة التي يستعمها الشاذلي في البحث عن المواقع. 

كان الشاذلي يتفحص كل التفاصيل حتى تحزيزات الصخور والأوراق الصغيرة للنباتات الساحلية. كان يبحث عبثا عن شيء ما : “عين الزاوية”، تلك  التي تنبع من جبل لتصب مباشرة في البحر. قال له والده ذات مرة أن لو لا هذه العين لما كان أن يوجد البحر الأبيض المتوسط . مازال الشاذلي يتذكر دهشته وضحك أبيه آنذاك، ضحك يشبه قرقرة ماء  عين الزاوية المرحة. كانت العين قد نضبت في نفس السنة التي توفي فيها والد الشاذلي.  مسح دمعة لم ينتظرها كانت على وجهه،  دخلت فمه، كانت مالحة لكن خفيفة كماء عين الزاوية.   

يتبع … 

 

 

 

 

 

    

 

 

 


 

تعليقات