منذ أن أعلن عن وفاة الزميل عبد الرزاق زرقي بعد أن اشتعلت النار في جسده، تسابق المتكلمون في التحليل والتنظير لفرض آرائهم. منهم من يقول أنه قتل (رغم أن الفرضية مستبعدة) ومنهم من يرى أن الشاب « رزوقة » إنتحر إحتجاجا على اوضاعه الصعبة. 

المؤسف في الأمر، أن الإنتماء السياسي أصبح سيد الموقف :

– شق يحاول بكل الطرق تفنيد فكرة أن الشاب « رزوقة » إنتحر ويوجه أصابع الإتهام إلى أطراف خارجية واخرى داخلية بسيناريوهات هوليودية للقول أخيرا أن المستهدف هو الإستقرار الحكومي وأنها مؤامرة ضد حكومة الشاهد. 

– شق آخر ورغم قربه للمنطق فإنه يريد أن يحشر القضايا في نواياه السياسية ويحاول توظيف إنتحار الزميل الصحفي لأهداف سياسية معينة.

بين هذا وذلك، ضاع المهم وهو رسالة شاب حاول الانتحار بسكب البنزين فوق جسده. بعيدا عن السياسة، نحاول جرد المعطيات المتوفرة ونحللها بطريقة عقلانية علنا لا نبتعد كثيرا على رسالة الزميل الصحفي: 

– مقطع الفيدو : 

إعتمد الكثير من الناس على مقطع الفيديو لإثبات صحة كلامهم. المشكل هنا أن نفس مقطع الفيديو المصور من نفس الزاوية، استعمله الجانبان المدافع والرافض لفرضية الإنتحار. في الحقيقة، مقطع الفيديو غير واضح بالمرة نظرا لجودته المنخفضة. كل رأى في الفيديو ما يريد أن يراه. فعشاق نظرية المؤامرة رأوا شخصا آخر أشعل جسد الضحية بولاعة ومن هم ضدهم رأوا الضحية يشعل النار بنفسه والحال أن الفيديو لا يظهر لا هذا ولا ذاك. 

– أخت الضحية :

أكدت أخت الضحية في تصريح إعلامي أن شقيقها تم قتله وأنه لم ينتحر. هنا نستحضر إحدى القواعد الأولى للصحافة ألا وهي ضبط الأسئلة لتتطابق مع الشخص المحاور. فأخت الضحية مثلا و رغم أهمية تصريحاتها لكشف الحقيقة وإنارة الرأي العام إلا أنها لم تكن حاضرة على عين المكان أثناء الحادثة. وكل ما قالته يرجح أنه بفعل الصدمة والعاطفة وهو أمر طبيعي جدا. 

– شاهد العيان : 

كتب  احدهم وهو صديق الضحية وصديق المتهم الذي ظهر في الفيديو أنه يعرف الشخصين جيدا وخاصة المتهم إذ أنه شاب صغير السن وفنان و أن تحركاته في الفيديو هي نتيجة الصدمة من رؤية النيران أمامه إذ لا دوافع له لقتل إبن جهته. ثم إنه سبق وقلنا أن مقطع الفيديو لا يظهر شيئا يمكننا أن نجزم. 

المنطق: 

ما هو ظاهر للعيان أن الزميل الصحفي ظهر في مقطع فيدو وقال أنه مقدم على الانتحار ثم قام بسكب البنزين على جسده.  فهل يعقل أن يأتي شخص آخر لإحراقه ؟ المعنى لا يستقيم ورغم ذلك فنحن لا نستطيع أن نجزم فهناك جهات مختصة ستنظر في القضية. 

الأهم: 

هناك شخص فارق الحياة بطريقة مؤلمة وترك حزنا كبيرا لدى عائلته و زملائه وهناك شخص  آخر موقوف في إنتظار كلمة العدالة. فلا يجب أن نظلم الناس بمجرد اننا مقتنعين بفرضية ما أو لإجل جهة سياسية معينة. 

تعليقات