من منا لا يعرف “الدقلة في عراجينها” لبشير خريف أو “سهرت منه الليالي” لعلي الدوعاجي، تلك الكتب التي مثلت أركان الأدب التونسي. قد يمكن القول الآن، أن المناضل اليساري، عز الدين الحزقي قد أضاف ركنا آخر لموروثنا الأدبي بتجميعه لذكرياته في السجن وذكريات ذكرياته عندما كان طفلا والتي تغزو مخيلته كلما ضاقت عليه زنزانته في برج الرومي ببنزرت، فهو الذي قال : ” كنت أخرج من السجن كل ليلة طيلة الألفي ليلة والليلتين الأخريين اللتين اضيفتا رغما عني بالسجن المدني”.

في إحدى الروايات التي تكون الكتاب، يقول سي عزالدين أنه كان بحاجة إلى 3 أسابيع فقط لبلوغ هدفه، كان ينوي تحقيق حلم أمه في اكل “كعيبة أنجاص” وإصلاح نظارتها لترى العالم، وبما نه لم يمض إلا أسبوع واحد على توظيفه في إحدى شركات التأمين، كان على سي عز الدين إنتظار 3 أسابيع أخرى حتى يتسلم أول “شهرية” ويشتري الإجاص ويصلح النظارات؛ بما أن الموت كانت ولازالت أقوى من الإنسان وارادته، فقد اختطفت والدة سي عزالدين قبل أن يتمكن من شراء الإجاص لها وإصلاح نظارتها، تبدد حلم سي عزالدين كحلم أمه، فدخل السياسة “للبحث عن أم لا تموت”.

يمكن الجزم أن سي عزالدين كان متسلحا برأي الفيلسوف الألماني، إرنست كاسيرر ،في اللغة عند تأليفه الكتاب :” “ما من قوّة تستطيع أبدا أن تضاهي (اللغة) تلك التي تفعل الكثير بالقليل“، فب 28 حرفا أبجديا فقط وبعض المصطلحات الأجنبية المتوارثة في لغتنا الدارجة، استطاع سي عز الدين رسم صور له ولرفاقه في السجن و القرية التي نشأ فيا، ولأحاسيسه وأحاسيس من حوله ومكونات كل شخصية من الشخصيات التي التقاها، كما رسم تقييم لحال الحركة اليسارية آنذاك … بالحروف فقط، تجاوز سي عزالدين كل التقنيات المستحدثة في التصوير من Full HD إلى 4K و”كل آليات الكشف الطبي والنفسي” لوضع القارئ على علم بكل التفاصيل حتى غير الملموسة منها.

رغم كثرة التفاصيل و دقة المعلومات، تخلصت صفحات الكتاب من الوزن الزائد الذي قد يعيق القراءة، فسلاسة الكتابة وتتالي الصور تحملان القارئ دون أن يشعر إلى زنازين برج الرومي وإلى الأحياء العتيقة أين عاش الكاتب. وبالحديث عن الڨاميلة (وعاء الأكل في السجن) يقدم سي عز الدين بسطة عن الحركة اليسارية في السبعينات و بزوز سواڨر ( عنوان إحدى الروايات) تحدث عن هزيمة “ديان بيان فو” ماي 1954 وحرب أكتوبر 1973 والثورة الثقافية في الصين أواسط الستينات.

فمن عنوان الكتاب، ينذر الكاتب القارئ أنه سيكون “متسلطا” على اللغة، إذ بنظارات أمه المحطمة سيعطى رؤى عميقة وثاقبة قد تتعدى جدار الزمان والمكان كما تعدى خياله جدران  سجن برج الرومي.

تعليقات