كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول إستقلال تونس الذي تحصلت عليه سنة 1956. لم يكن فحوى الحديث التعريف بمن ضحى من أجل البلاد ومن ساهم في تحريرها وإشعاعها، بل شاهدنا تشكيك وقدح في وثيقة الإستقلال وذهب البعض للقول أن تونس لم تستقل فعليا بل كان الأمر مجرد صفقة لا قيمة قانونية لها.

في التلفزات، في الإذاعات وفي كل المنابر شاهدنا العديد من “المثقفون الجدد” يناورون ويحذلقون العبارات لإقناعنا أن وثيقة الإستقلال لا قيمة قانونية لها، وكأنه يريدون القول إن تونس مازالت تحت التبعية الفرنسية.

للرد على هذه التشكيكيات، كتب السيد الشاذلي بن عمار ( إبن المرحوم الطاهر بن عمار من وقع على وثيقة الإستقلال)  مقالا في جريدة الصباح عنونه ب-:

وثيقة الاستقلال واضحة لا لُبْس  فيها
بقلم الشّاذلي بن عمّار*

لقد فُوجئت أوّل ما فوجئت بفحوى بعض المحاضرات و الحصص التلفزيّة والمقالات والتعليقات المنشورة هنا وهناك وبما تضمنته خاصة من تساؤل وتشكيك في استقلال تونس، و قد  زعم أصحابها  أنّ وثيقة استقلال البلاد التونسية يَعْتَريها الغموض وبالتّالي فهي لا تنصّ بوضوح على الاستقلال الحقيقي والسّيادة الفعليّة مستندين في ذلك  إلى ما ورد في وثيقة الاستقلال من “أنّ فرنسا وتونس تتّفقان على ضبط واستكمال كيفيّات التكافل بين البلدين بكلّ حريّة” مُضيفين أنّ هذه الوثيقة لم تُنشر بالرّائد الرّسمي ممّا يفقدها الصّبغة القانونيّة. وهذا يترتّب عنه أنّنا لا نزال في تبعيّة لفرنسا ونرزح تحت هيمنتها.

وإنّي أقول في هذا المجال أن المؤرّخ الحقّ والجامعي الرّصين يجب أن يتحلّى كلّ منهما بالصّدق ويلتزم بالأمانة العلميّة فيما يقول ويكتب، وأنّ كلّ حكم أو رأي يُدْلي به في أمّهات القضايا التي تخصّ تاريخ تونس وسيادتها ينبغي أن يدعّم بالحجج والوثائق والنّصوص التي لا تحتمل التأويل. وما الفائدة من التّشكيك أو النظرة الدّونية والواقع ينفي ويدحض هذه الشكوك زيادة على أنّ النظرة الدونية لرموز تاريخنا ولمسارهم السياسي من شأنها أن تزرع البلبلة في النفوس وهذه مسألة أخلاقية بالأساس.

وهنا لا بدّ من التّذكير- في إطار الردّ على هذا التشكيك الصّادر عن بعض المحاضرين أو المحلّلين – بجملة من المعطيات التّاريخية التي أدّت إلى الإحراز على الاستقلال الدّاخلي ثمّ الاستقلال التّام و السياق الذي انطلقت فيه المفاوضات.

1- عُرضت القضيّة التّونسيّة على الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة ورغماعتراضات فرنسا فقد وقع إدراجها في جدول أعمالها يوم 15أكتوبر1952، وانتهت النقاشات بتبنّي قرار عرضته البرازيل ولقيت مساندة 44 صوتا لصالح العريضة التّونسيّة بما فيها صوت الولاياتالمتّحدة الأميركية ذلك أنّ القضيّة التّونسيّة أصبحت نقطة ثابتة تُدرج كلّسنة في جدول أعمال الجمعيّة العامّة وكذلك الحال بالنسبة إلى القضيّةالمغربيّة بل صارت القضيّة التونسيّة موضوع نقاشات عسيرة علىالسياسة الاستعماريّة الفرنسيّة وهذا إلى سنة 1956 التي شهدت استقلالكلّ من المغرب وتونس.

2-    أنّ فرنسا لم تستجب للتفاوض إلاّ بعد  أن أيقنت أنّه لا مفرّ من ذلك و هذا نتيجة تنامي الحركة الوطنيّة و الضربات الموجعة التي ألحقتها المقاومة المسلّحة في صفوف الفرنسيّين الذين أدركوا أنّهم أمام مُعْطَى جديد وهو أنّ وراء المطالب الوطنيّة انتفاضة شعبيّة مسلّحة يجب أن يُقرأ لها حساب.

3-        كان بيار منداس- فرانسPierre Mendès – France  أوّل رئيس حكومة فرنسي يعترف بضرورة انتهاج سياسة جديدة إزاء المستعمرات الفرنسيّة. وكان ارتقاؤه في ذلك الظّرف إلى مهامّ رئاسة الحكومة   ( 17 جوان 1954) نتيجة انهزام الجّيش الفرنسي في معركة ديان بيان فو (Dien Bien Phu ) في ماي  1954 أمام المقاومة الفياتناميّة. وقد كان لهذه الهزيمة الأثر العميق في كامل الطّبقة السّياسيّة الفرنسيّة. وقد أدرك بيار منداس- فرانس أبعاد التّحولات العميقة التي شهدتها السّاحة الآسيويّة واستخلص نتائجها وهي أنّ قوّة الحركة الوطنيّة وإرادة الاستقلال أصبحتا لا تُقْهران. وخلافا لفرنسا، كانت بريطانيا سبّاقة في انتهاج استراتيجيّة التخلّي عن مستعمراتها في الشرق الأقصى والشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الثانية وهو ما جنّبها تضحيات بشريّة لا فائدة منها. وأمام تَنَامي الحركة الوطنيّة الأندونسيّة آضطرّت هولندا في نفس الوقت إلى مواجهة المقاومة المسلّحة على الأرض ومواجهة الجبهة الجديدة لمعاداة الاستعمار داخل الأمم المتّحدة حيث تتضافر ضغوطات الولايات المتّحدة والعداء المعلن للاتّحاد السوفياتي والبلدان الآسيويّة والعديد من بلدان أمريكا اللاّتينيّة. وهكذا اضطّرت هولندا إلى الإقرار بغرور الحرب التي خاضتها سنة 1946 لاستعادة سيطرتها على أندونيسيا بعد انسحاب القوى اليابانيّة وإلى الاعتراف في ديسمبر 1949 باستقلال أندونيسيا.

وبالنّسبة إلى الهند الصّينيّة فإنّ هزيمة القوى الفرنسيّة في ديان بيان فو لم تترك لفرنسا من اختيار سوى الانسحاب كليّا.

ووفق هذا المنطق أيضا أصبحت الـمصـارف التـجـاريّــة الفرنسيّة بالهند les comptoirs موضوع اتّفاق كي تنتقل إلى أصحابها من غير مقابل وهو اتّفاق تمّ التّوقيع عليه بسرعة في 21 أكتوبر 1954.

وأمّا بالنّسبة إلى إفريقيا الشماليّة حيث تتواصل المواجهات الدمويّة منذ أكثر من سنتين ونصف (1952 و1953 و1954)، فقد صار البحث عن حلّ توافقي يفرض نفسه لأمرين: من جهة حتّى لا يُصْدَمَ الحزب الاستعماري والذي لا يزال يتمتّع بِثِقْل كبير داخل البرلمان الفرنسي ولإرساء حوار مع الوطنييّن المغاربة  الذين كانوا يسعون إلى عقد الحوار ويفضّلون دائما التّفاوض على المواجهة. وعلاوة على هذا فقد كان منداس -فرانس يتميّز من بين الطبقة السّياسيّة الفرنسيّة بالاحترام الذي يكنّه للكفاح الوطني الذي خاضه مخاطبوه. وأمام المأزق الفرنسي- التّونسي في جوان 1954 كان الاستقلال الدّاخلي يبدو لبيار منداس- فرانس السبيل الأكثر نجاعة لتجاوز الأزمة.

وكان حصول منداس – فرانس على الموافقة على مقترح الاستقلال الدّاخلي من طرف الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحرّ الدّستوري ومن طرف الطّاهر بن عمّار الذي كان آنذاك رئيس الجبهة الوطنيّة و رئيس الحجرة الفلاحيّة  يسمح له بالمرور فورا إلى الإنجاز وأن يعلن عن سياسة واقعيّة جديدة مقبولة من أغلبيّة الأطراف. كان المسؤولون السياسيّون التّونسيّون الواعون بكلفة المقاومة المسلّحة التي انطلقت سنة 1952 يجدون في مقترح الاستقلال الدّاخلي فرصة لحلّ سياسي مقبول هو بلا شكّ أفضل من المواجهة المسلّحة التي يعتبرونها غير مضمونة النتائج لأنّ موازين القوى كانت بلا شكّ لصالحفرنسا و كانوا يرون أنّهم – وفي ظلّ الظّروف السائدة – مهيؤون أكثر لحلّ سياسي تفاوضيّ.

ففي سنة 1954 كانت حظوظ تحقيق حلّ من خلال التفاوض أفضل بلا شكّ من مواصلة المقاومة المسلّحة والتي كان الوطنيّون يدركون بِمَرَارَةٍ حُدُودَها.

و بعد الإعلان من طرف منداس- فرانس  يوم 31 جويلية 1954 أمام الباي محمّد لمين أنّ فرنسا مستعدّة للاستجابة لمطالب الشّعب التّونسي وذلك بتحقيق الاستقلال الدّاخلي بعد مفاوضات بين التّونسيّين و الفرنسيّين تَمَّ الإجماع الوطني حول الطّاهر بن عمّار وهكذا تكوّنت حكومة الطّاهر بن عمّار لتكون الحكومة التفاوضيّة وحدّد يوم 4 سبتمبر 1954 لافتتاح المفاوضات بين الحكومة التّونسيّة والحكومة الفرنسيّة بقصر الحكومة بالقصبة تحت رئاسة الطّاهر بن عمّار عن الجانب التّونسي والذي كان مرفوقا بكلّ أعضاء حكومته وكريستيان فوشي عن الجانب الفرنسي الذي كان مصحوبا بالمقيم العام بوايي دي لاتور وعَدَدٍ من الخبراء غير أنّ المفاوضات العسيرة التي استغرقت ستّة أشهر و التي انطلقت مع حكومة بيارمنداس- فرانس لم تتوّج في عهده بسبب سقوط حكومته يوم 5 فيفري 1955 في ساعة متأخّرة من اللّيل نتيجة خلافات بينه وبين حلفائه في الحكومة. وفي يوم 28 فيفري تشكّلت حكومة إدغار فور واستأنفت المفاوضات يوم 15 مارس 1955 مع الوفد التّفاوضي التّونسي برئاسة الطّاهر بن عمّار و الذي كان يضمّ السّادة منجي سليم و عزيز الجلّولي ومحمّد المصمودي و جملة من الخبراء ( محمود المسعدي ، العابد مزالي ، ألباربسّيس، محمود الخياري و مختار لعتيري) وبعد عدّة جلسات ماراطونية  حَصُلَ الاتّفاق المبدئي يوم 22 أفريل 1955 ثمّ وقّع الطّاهر بن عمّار والمنجي سليم عن الجانب التّونسي و أدغار فور و بيار جولي عن الجانب الفرنسي على الاتّفاقيات يوم 3 جوان 1955.

وممّا غاب عن العديد من السياسيّين وكذلك المؤرّخين هو ما طالب به الطّاهر بن عمار وناله أي أنْ لا يكتسي  التّنصيص على هذه الاتّفاقيات صبغة نهائيّة بل أنّه يُمْكِن تًحْيِينها في كلّ وقت وهو ما يفتح الباب أمام تعديلها أو تطويرها.

كما تمكّن المفاوضون التّونسيّون من إلغاء الفصل الأوّل من معاهدة المرسى الممضاة سنة 1883 والتي تتعلّق بالحماية.

وأماّ البند الأهمّ فهو الموافقة على إنشاء مجلس تأسيسي والغاية منه أنّه في حالة رفض فرنسا فتح مفاوضات تهدف إلى إحراز تونس على الاستقلال التام، أو في حالة فشل المفاوضات فإنّه يقع الإعلان عن الاستقلال من طرف واحد داخل المجلس التأسيسي d’une manière unilatérale وفي يوم 9 جويلية 1955 صادق البرلمان الفرنسي على الاتّفاقيّات التّونسيّة – الفرنسيّة وعلى غير ما كان متوقّعا بأغلبية ساحقة أي 540 صوتا مقابل 43 صوتا معترضا و79 ممتنعا عن التصويت وإثر ذلك وافق مجلس الجمهورية الفرنسي بدوره على الاتّفاقيات بـ 253 صوتا واعتراض 26 نائبا وامتناع 36 نائبا عن التّصويت. وفي يوم 27 أوت 1955 وضع الباي ختمه على الاتّفاقيات ثمّ وقّع عليها الوزراء ورؤساء المنظّمات القوميّة وكذلك المفتي الحنفي فضيلة الشيخ العلامّة  محمّد عباس  والمفتي المالكي فضيلة الشيخ العلامّة عبد العزيز جعيّط وفي يوم 31 أوت 1955 تمّ تبادل آليات المصادقة على الاتّفاقيات بباريس بين الطّاهر بن عمّار وإدغار فور وهكذا أُلْغِيَت وظيفة المقيم العام وعُوِّضت بمنصب المندوب السّامي وتمّ إنشاء مُوظّف سام يمثّل الحكومة التّونسيّة بباريس و دخلت الاتّفاقيات حيز التّنفيذ يوم 1 سبتمبر 1955 ونُشرت بالرّائد الرسمي للمملكة التّونسيّة بتاريخ 6 سبتمبر 1955 تحت عدد 71 و إنّ إمضاء جميع هؤلاء الأطراف لدليل على أن ما تحقّق كان محلّ إجماع.

وفي يوم 13 سبتمبر 1955 قدّم الطّاهر بن عمّار استقالة حكومته لمحمّد لمين باشا باي وفي يوم 17 سبتمبر 1955 تمّ تشكيل حكومة الطّاهر بن عمّار الثّانيّة وهي أوّل حكومة وطنيّة مُتَجَانِسَة (تونسيّة صرفة) وفي يوم 28 ديسمبر 1955 قرّر مجلس الوزراء برئاسة الطّاهر بن عمّار إنشاء مجلس تأسيسي ومن الغد وضع الباي محمّد الأمين ختمه على هذا القرار ونُشر هذا الأمر العليّ بالرّائد الرّسمي وهذا ما يَنْفِي ما ادّعاه البعض عن تردّد الباي ومماطلته في إنشاء المجلس التّأسيسي.

وقد افتتحت يوم 29 فيفري 1956 المفاوضات بالكاي دُورْسَايْ مقرّ الوزارة الخارجيّة الفرنسيّة قصد إحراز تونس على الاستقلال برئاسة الطّاهر بن عمّار والوفد المصاحب له والذي ضمّ الأساتذة الباهي الأدغم والمنجي سليم ومحمّد المصمودي  و كذلك الاستاذ توفيق بن الشيخ  مدير ديوان الطّاهر بن عمّار و محمّد السنوسي المستشار القانوني لدى الحكومة و الحبيب الشطّي المكلّف بالإعلام والشّاذلي رحيّم وزير البريد و البرق و الهاتف نظرا لعلاقته الجيّدة برئيس الحكومة الفرنسيّة وقياديّ الحزب الاشتراكي SFIO والوفد الفرنسي برئاسة غي مولاى رئيس مجلس الوزراء الفرنسي و الوفد المصاحب له و الذي ضمّ كريستيان بينو وآلان سفري وروجي سيدو وجاك باسديفون وجاك لوسيوس.

والجدير بالذّكر أنّ الطرف الفرنسي رفض منذ الجولة الأولى من المفاوضات إلغاء معاهدة باردو وتمسّك بتمكين تونس من الاستقلال في إطار التكافل ولا شيء سواه. هكذا إذن وضعت  معاهدة باردو في صدارة المفاوضات التّونسيّة – الفرنسيّة وهكذا طالب الطّاهر بن عمّار بإلغاء هذه المعاهدة اعتمادا على حقيقة وهي أنّها نصّ عفا عليه الزمن وتجاوزته الأحداث وهو لا يتلاءم مع مفهوم الاستقلال موضوع هذه المفاوضات. فالتقابل بين تصوّرين مختلفين أدّيا الى تعطيل سير المفاوضات وأظهر الجانب التّونسي تصلّبا فقد وضّح غي ملاّي للطّاهر بن عمّار بأنّ الوضع يقتضي الصّبر نتيجة ما أفضت إليه المفاوضات الفرنسية – المغربية من استقلال المغرب وما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات التّونسيّة – الفرنسيّة وما قد ينجرّ عن النّقاش العسير حول الجزائر، فقد كان عدد مهمّ من البرلمانيّين يرون في هذا التّمشي تفويتا خطيرا في المستعمرات وأنّه مضطرّ إلى التقدّم  “كالسّائر على البيض”  حسب عبارته marcher  sur des œufs نظرا لمناخ التوتّر الغالب على البرلمانيّين.

وكانت فرنسا تتمسّك بمعاهدة باردو لسببين أساسييّن :

1-   أنّ هذه المعاهدة تسمح حسب المادّة السّادسة للسّلطة العسكريّة الفرنسيّة بالتّمركز في النقاط التي تعتبرها ضروريّة.

2-   أنّها تسمح للسّلطة الفرنسيّة بممارسة وصاية على الدّيبلوماسيّة التّونسيّة.

فكان الطرف الفرنسي يريد أن تُضْبط علاقات التكافل l’interdépendanceقبل الإعلان عن الاستقلال وهو ما ردّ عليه الطّاهر بن عمّار بتأكيد موقفه مجدّدا من هذه المسألة حيث قال:” لا فائدة في أن نذكّر بالظروف الخاصّة بقدوم الوفد التونسيّ إلى باريس للتفاوض في اتفاقيّات جديدة مع فرنسا . والجميع متّفق على ضرورة إعادة النّظر في العلاقات بين البلدين حسب المعطيات الجديدة . لقد أعدّ كلّ من جانبه مشروع اتفاقيّة ولاحظ الوفد التّونسي أنّ المشروع الفرنسي  يعتبر استقلال تونس موضوع تفاوض في حين أنّ المشروع التّونسي يعتبر الاستقلال قاعدة لا نقاش فيها. ففي كنف المفاوضات الحرّة والاتّفاقيات المبرمة من قبل تونس المستقلّة يمكن أن تضبط صيغ التكافل. وهذا يعني رفع سوء التفاهم واللّبس. فالوفد التّونسي مقرّ العزم على أن تنطلق المفاوضات في هذا الإطار. ويؤكّد أنّه يوافق على تكافل منظّم في كنف الحريّة وفي كنف التضامن الفاعل بين فرنسا وتونس – وكما نرجوه ونتمنّاه – يكون الوفد الفرنسي على اتّفاق معنا على هذه الصّيغة في ترتيب مستقبل علاقاتنا. والمفاوضون التّونسيّون على استعداد لمواصلة المهمّة المناطّة بعهدتهم بكامل الأريحيّة وسنبشّر التّونسيّين الذي ينتظرون بفارغ الصّبر النّبأ العظيم الذي يُطَمْئِن شعبنا . وإذا افترضنا ـ وهو ما لا نرجوه فعلا ـ أن يمتدّ سوء التفاهم والالتباس بيننا يمكنكم سيّدي رئيس الحكومة أن تعتبروا أنّ مهمّتنا بكلّ أسف قد انتهت” .

وقد أصرّ الطّاهر بن عمّار على موقفه المعلن في تصريحاته ومن ناحية أخرى ألحّ على إيجاد صياغة صريحة لا لبس فيها تؤدّي معنى الاستقلال التامّ الغير المنقوص مع إلغاء معاهدة باردو وتوليّ الحكومة التونسيّة إدارة شؤون الدفاع والعلاقات الخارجيّة وتبادل السّفراء.

وهذا ما يفسر وجود فقرة ببروتوكول الاستقلال تنّص على أنّ تونس وفرنسا تتّفقان على ضبط وإتمام آليات التكافل في كنف الحرّية والسّيادة لِكِلاَ الطرفين. وهذا ما يجعلنا نُؤكّد أنّ نصّ البروتوكول المحرّر باللّغة الفرنسيّة لا يحتمل أيّ تأويل في دلالته على الاستقلال التّام إذ ورد فيه :

أنّ فِرنسا تعترف بصفة رسميّة وعلى نحو مشهود علانية باستقلال تونس.

ذلك أنّ فقهاء القانون الدولي أجمعوا على أنّ القيمة القانونيّة للوثيقة لا تكمن في  شكلها و أنّ تسمية الوثيقة بالبروتوكول لا خلاف بينها وبين العهد أو الاتّفاقية أو المعاهدة كلّها مرادفات تحمل نفس المعنى. ولا يعني عدم نشر البورتوكول بالرّائد الرّسمي التّونسي بأنّه  منقوصا أو غير مكتمل الشروط. فعندما تمّ إبرام هذا البروتوكول في 20 مارس 1956 لم تكن هنالك أيّ قاعدة قانونية تلزم بعرضه على مصادقة المجلس التشريعي ولا بنشره بالرّائد الرّسمي وتجعل مسألة النشر شرطا لإنفاذ الاتّفاقية. ولا ننسى أن الأمر يتعلق ببروتوكول الاستقلال، وأنّ نفاذه يَكْمن في اعتراف الدول به، وهو ما حصل إذ توالت وتعدّدت الاعترافات الدولية  بهذا البروتوكول أي باستقلال تونس وكانت الولايات المتّحدة الأمريكية أوّل دولة تعترف بتونس وباستقلالها. زد على ذلك فقد تقرّر قبول تونس عضوا بجمعيّة الأمم المتّحدة  بتاريخ 12 نوفمبر 1956  في جلستها عدد 574.

ويتَرتّب عن إعتراف فرنسا بصفة رسمية و على نحو مشهود علانية باستقلال تونس :

1-   أنّ الاتّفاقيّة الممضاة بين تونس وفرنسا يوم 12 ماي 1881 لا يمكن أن تنظّم العلاقات التّونسيّة – الفرنسيّة.

2-    وأنّ نصوص اتّفاقيات 3 جوان 1955 التي قد تكون في تناقض مع الوضعيّة الجديدة لتونس – الدولة المستقّلة ذات السّيادة- سيتّم تغييرها أو إلغاؤها كما يترتّب عن ذلك:

ج- أن تمارس تونس مسؤوليّاتها في ما يتعلّق بالشؤون الخارجيّة والأمن والدفاع وكذلك تكوين جيش وطني تونسي.

والجدير بالذكر أنّ هذا البروتوكول قد نشر بالصحف التّونسيّة و الفرنسيّة لابراس والصّباح و MONDE LE على سبيل المثال في نسخته الكاملة يوم 21 مارس 1956 .

صحيح أنّ هذا البروتوكول لم ينشر بالرّائد الرّسمي وهذا أمر كان مَوْكُولا للرّئيس الحبيب بورقيبة الذي خلف الطّاهر بن عمّار يوم 11 أفريل 1956 مع الملاحظة أنّ كلّ الاتّفاقيات والبروتوكولات لا تنشر بالضّرورة بالرّائد الرّسمي لا في تونس فحسب بل في عدّة البلدان – وهذا لا يُنقص من قيمة وإلزامية هذه الاتّفاقيات من الناحية القانونّية والسّياسيّة                                                                             وأكبر دليل على أنّ تونس دولة مستقلّة ذات سيادة هو قطع العلاقات الديبلوماسيّة بين تونس وفرنسا في شهر جويلية 1961 إبّان معركة بنزرت و تأميم الأراضي الفلاحية سنة 1964 فلم تعارض فرنسا هذا القرار لأنّه بموجب البروتوكول التي أمضت عليه تعترف بلا جدال أنّ تونس دولة مستقلّة ذات سيادة . أضف إلى هذا وجود السفارات الأجنبيّة بتونس وسفاراتنا بمختلف بلدان العالم و كذالك وجودنا عضوا في المنتظم الأُممي والمنظّمات الدوليّة .ومن ناحية الاصل يقرّ الفقه القانوني بأنّ بروتوكول 20 مارس 1956  يذكر بصريح العبارة: “تعترف فرنسا بصفة رسميّة وعلانيّة باستقلال تونس (La France reconnait solennellement l’indépendance de la Tunisie )  و بأنّه تضمّن إلغاءا صريحا لمعاهدة باردو بتاريخ 12 ماي 1881 إذ ليس من الضروري أن تستعمل عبارة abrogation  ليحصل الإلغاء لأنّ العبارة الفرنسيّة “…ne peut plus régir ”  تعني من الناحية القانونيّة و التقنيّة فسخ معاهدة باردو أي إلغاءها للمستقبل.

وأمّا العبارة الفرنسية (définir ou compléter les modalités d’une interdépendance librement réalisée…) فينبغي أن لا نَنْسى أو نغفل أنّ هذه العلاقات الجديدة و المستقبليّة هي علاقات موافق عليها بكل حرية من الطرفين في  إطار التبادل و المعاملة بالمثل في علاقة تكامليّة – ولا تبعيّة كما يعتقد البعض- من النّد إلى الند  بين دولتين ذات سيادة و هو ما يعبّر صراحة وبغير لُبس أنّ تونس تتمتّع بسيادة كاملة لا العكس.

وفي ما أعلم لم أسمع من شكّك في هذه الحقيقة من قِبل خارج تونس وإنّه لَمِن المُؤْسف بل من المضحكات المبكيات – اليوم بعد 62 عاما من الاستقلال- أن يتساءل  بعض أبناء تونس عن حقيقة استقلالها وسيادتها . هذه الوثيقة التي أحرزنا عليها بعد تضحيات جسام تلزم الدّولتين الفرنسيّة والتونسيّة وأمّا ما يتعلّق بسيطرة بلدان أجنبيّة على الثروات الوطنية كالبترول والملح فلا شيء يمنع تونس وهي دولة ذات سيادة من مراجعة أو إلغاء هذه الاتّفاقيّات الاقتصاديّة إن ثبت لها أنّها لا تخدم مصالحها. .

و الجدير بالذّكر أنّ التشكيك من طرف النفوس المريضة و أصحاب الحسابات الضيّقة في وطنيّة و كفاءة وتضحيات رموز هذه البلاد الذين ضحوا بالغالي و النفيس و بعائلاتهم في خدمة تونس و إحرازها على استقلالها من شأنه أن يثير البلبلة في النفوس ويحدث فتنة تكون -لا قدّر الله- عواقبها وخيمة ويكرّس نوعا من اللاّ أخلاقيّة من شأنها أن تُبعد الشباب التّونسي عن تاريخه و تشوّش عليه  مسيرة المناضلين  السّابقين و السّياسيّين من العناصر الفاعلة حاليّا ومستقبلا.

إنّ تونس اليوم في حاجة ماسّة لجميع أبنائها و كفاءاتهم للخروج من الوضع السّيء  الذي نعاني منه إقتصاديّا و ماليّا و اجتماعيّا لنضمن الاستثمار و النمو و نوفّر مواطن الشغل لضمان الكرامة لكلّ تونسي لأنّنا أصبحنا اليوم قاب قوسين أو أدنى من التبعيّة الأجنبيّة لأنّ مَدْيونِيتنا  تفوق اليوم 70%  من المنتوج الدّاخلي الخام (PIB) . فرجاء لنضع حدّا لهذه النقاشات التي تبعدنا عن المشاكل الجوهريّة للبلاد.

مؤلّف كتاب  ” الطّاهر بن عمّار. كفاح رجل ومصير أمّة”

و كتاب  ” «    Tahar Ben Ammar, homme d’Etat : La force de la persévérance

مصدر المقال :

جزء 1 

جزء 2 

تعليقات