لا زالت مسألة المساواة في الميراث التي طرحها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تثير زوبعة في الأوساط العربية، رغم أن المقترح يعني الشعب التونسي دون سواه. بقطع النظر إن كنا مع أو ضد مبادرة رئيس الجمهورية، فإن طريقة التعاطي مع المقترح وتكفيره دون تقديم حججا منطقية فإن الأمر لا ينذر بخير.  قد يكون هذا اللغط القائم فرصة للوقوف على ما وصلنا إليه من وعي ديني ودنيوي. فلماذا نحن دائما ضد الإصلاح بدعوى الخوف على ديننا والحال أن الاسلام جاء ليحرر عقولنا ؟

الإسلام، دين الحرية :

لم يخلق الله عز وجل الكون عبثا وتتالي الرسل هو خير دليل على ذلك. نعلم جميعا أن بعث الأنبياء كان لإصلاح المجتمعات والشعوب. بعد سيطرة الكنيسة على دين المسيح وخلطها بين المقدس والسياسة للاستئثار بالحكم و لهف أموال الشعوب وما تبع ذلك من أزمات مجتمعية ودينية، بعث الله عز وجل الاسلام ليكون رحمة للعالمين.إن اكثر ما يميز الاسلام على الديانات الاخرى أنه لم يجعل واسطة بين الانسان وخالقه ليمنح الاسلام الحرية للإنسان (التي اكتسبها بالفطرة) وتكون العلاقة بينه وبين الله مقدسة، نقية لا تشوبها شائبة ولا يدخل فيها لا سلطان ولا رجل دين. فتأسست آنذاك حضارة وصنع مجد الأمة الاسلامية: رأينا الأدباء والعلماء والشعراء الذين إقتدى بهم العالم باسره، فكل من درس الرياضيات هو مدين للخوارزمي وكل من إمتهن صناعة الطائرات فهو لا ينكر فضل عباس بن فرناس والأمثلة في ذلك كثيرة.

إبن سينا ، واحد من أشهر علماء المسلمين

العودة إلى المربع الأول :

لم تدم فترة الرخاء هذه إلا فترة قليلة من الزمن، حيث إرتكب العرب نفس الخطأ الذي ارتكبه الغرب، وإهتدى الغرب إلى نفس المخرج الذي إرتقى به العرب، فانقلبت الموازين. شيئا فشيئا بدأ العرب يقدسون قراءات معينة للنص الديني، على حساب النص في حد ذاته و روحه و مقاصده وابعاده. حل وقت النظرة الضيقة للأشياء المكبلة بقيود مجتمعية وسياسية و التي أصبحت في ما بعد بنفس قداسة النص أو أكثر.

فلجمت أفواه العلماء وكفروا وحبسوا واعدموا وكان حرق كتب إبن رشد في القرن العاشر ميلادي بداية النهاية بالنسبة للعرب الذين خيروا كلام رجال الدين على الدين و آثروا النقل على العقل واتبعوا عباد الله بدل الله بالرغم من أنه لم يجعل بينه وبيهم وساطة ولا حاجبا. في المقابل وبعد عقود قليلة، إكتشف الغرب -أثناء مشاركتهم في الحروب الصليبية- زيف كلام الكنيسة التي دفعت بهم الى « الحرب المقدسة » ل »الدفاع عن بيت المقدس » ليتضح في ما بعد أن الأمر لا يتعدى أن يكون سوى غايات منفعية، سياسية وتجارية ولا تمت للدين بصلة (مثل الحرب على سوريا تماما لكن بتغيير طفيف في الزمن و أسماء الخصوم) واكتشفوا في نفس المناسبة ما وصل إليه العرب من علوم وتقدم وإزدهار فاخذوا الكتب التي وجدوها في الشرق وترجموها وحفظوها وبنوا عليها بعد أن صارت ممنوعة عندنا ولا داعي للتطرق إلى النتيجة لأننا نعيشها بتفاصيلها في الوقت الحاضر.

العلوم التي يتقنها العرب اليوم بعد أن حكموا العالم بعلمهم

العرب وفن إضاعة الفرص :

عرف العرب منذ قديم الزمان بشهامتهم ونخوتهم وعزتهم لكن هذه المناقب سرعان ما تتحول إلى عيوب حينما ترفض كل فكر إصلاحي وكل محاولة للتطور والتخلص من أغلال الماضي خاصة وإن كان مظلما. والعرب هم ابطال العالم في ذلك. فقد كفروا وخونوا كل محاولات الإصلاح المبنية على اعمال العقل وبعد النظر، ومن عجائب الصدف أن تونس كانت هي الرائدة في كل هذه المحاولات الاصلاحية.

فلما الغي الرق في تونس سنة 1841 ( 24 سنة قبل أن تلغيه الولايات المتحدة الأمريكية) لم يقبل العرب ذلك وإعتبروه بدعة تشريعية، لما سنت مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي حررت المرأة تكلمت مشائخ العرب واقامة الدنيا ولم تقعدها معتبرة أن ما فعلته تونس هو آخر ما يمكن فعله من فسق و فجور ( و النتيجة كما تعلمون : الفرق بين المجتمع التونسي والمجتمعات العربية). ولما أقام بورقيبة خطاب اريحا الشهير سنة 1965 خونه العرب وصدعوا آذاننا بخطابات الحماسة والعروبة والفروسية والخيل والليل والبيداء و-… و-…. و-…. وخسرنا كل شيء وتندمنا عن اليوم الذي رفضنا فيه مقترح بورقيبة. نفس الشيء حدث سنة 2011, لما بدأ الشعب التونسي بالتحرك لوضع حد لفترة الديكتاتورية واللحاق بالعالم المتقدم في ركب الديمقراطية، أراد العرب النسج على منوالهم و قلدوا الثورة التونسية واخفقوا في ذلك بعد أن ادخلوا أطرافا خارجية في شؤون بلدانهم.

الأمر القاضي بإلغاء الرق في تونس

رفض المساواة : وازع ديني أم وازع ذكوري :

مثلما ذكرنا في أول المقال، فإننا لن نجزم إن كان الباجي قائد السبسي على صواب أم لا عندما إقترح المساواة، لكن ما ما يثير حفيظتنا هو طريقة رفض هذا المقترح. إذ تفتقر الحجج المضادة إلى أدنى المقومات العلمية أو المنطقية أو الدينية. فكل يرفض المقترح وينعته بالكفر الصريح دون ذكر الأسباب و كأنهم يقولون « هذا ما وجدنا عليه آباءنا » لكن بإضفاء طابع ديني على معتقداتهم مرددين آية قرآنية لم يطلعوا أصلا على ما سبقها ولا على ما تلاها.
من المفارقات المضحكة أننا نشاهد اليوم رفضا قاطعا لكل محاولات التغيير ، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والحجة في ذلك هي حماية دين الاسلام من هذه البدع. نفس الحجج هي نفسها التي قدمت لم حرم الاسلام دفن البنات أحياء والحجة في ذلك هي حماية المجتمع.

تنويه : لا مجال للمقارنة بين القرآن والحركات الاصلاحية الدنيوية، لكن سبب المقارنة هو رفض العرب لكل ماهو تجديد.

هل حان وقت التغيير ؟

لا يتعلق الأمر بمبادرة السبسي في حد ذاتها لكن في تشبثنا نحن أمة الاسلام بكل ما هو قديم رغم أن ديننا جاء لانتشالنا من غياهب الظلمات والأفكار المسبقة والمسقطة. حري بنا اليوم أن نكون صريحين مع أنفسنا من أجل بناء أمجادنا من جديد وذلك بالبحث عن ما صنع أمجاد العرب ذات زمان والبناء عليه بدل التحسر. فلنكن خير أمة أخرجت للناس لكن علينا أن نكون جديرين بهذا التوصيف لا فقط تكراره ونحن غير قادرين عن صنع ابرة.

فهل سنفهم نحن العرب أصل ديننا و سنتخلص من معتقدات أجدادنا أم سينطبق علينا قول افلاطون،  » لو أمطرت السماء حرية .. لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات » ؟

وبالمناسبة أيضا، فإن هذا الخطاب للزعيم بورقيبة قد يكون سابق لعصره ومتطابق مع عصرنا الآن.

 

تعليقات