الدكتور يوزان موزيغ، هو دكتور في علم النفس ومختص في “التاريخ النفسي” كرس معظم اعماله لدراسة حضارة قرطاج. لذلك فهو يمتلك أعظم مكتبة تخص تاريخ حنبعل في العالم وفيها ما يزيد عن 10 آلاف كتاب. عشق حنبعل فاحبه “التوانسة”. هو لا يعيش بيننا اليوم, هو فقط قريب من مكتبته في الولايات المتحدة الأمريكية. على صفحات التواصل الاجتماعي، لا يمر يوم دون أن ينشر جزء من اعماله وما تزخر به مكتبته من كتب ووثائق قيمة. لمزيد التعرف أكثر على هذه الشخصية، اتصلت مجلة الوطن بالسيد يوزان موزيغ. فخصنا بالحوار التالي :

1/ أصبحت اليوم من المشهورين على مواقع التواصل الاجتماعي، فعديد من التونسيين يتفاعلون بكثرة مع منشوراتك. كيف وأين ولدت هذه العلاقة ؟

علاقتي بتونس بدأت في 2006 عندما زرتها لتقديم محاضرة حول معركة كاناي في جامعة قرطاج. اتيحت لي الفرصة حينها لإكتشاف المواقع الأثرية والمتاحف التي تروي تاريخ هذا البلد الجميل، لا أدري ماذا حصل لكني وقعت في حب تونس و أهلها. حتى عندما عدت إلى الولايات المتحدة كرست كل صفحاتي على مواقع التواصل الإجتماعي لأبقى بإتصال مع التونسيين خاصة مع من يتقاسمون معي عشق الحضارة القرطاجية وملحمة حنبعل. تفاعل الكثيرون معي بنشر المعلومات القيمة بخصوص هذه الفترة من تاريخ الانسانية. يمكن القول هنا، أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل بذاتها دافع عظيم لتقدم البحث والوصول إلى نتائج مرموقة.

لعلم تونس وحنبعل مكانة خاصة في قلب الولايات المتحدة

2/ لاحظنا اهتمامكم الشديد بحضارة قرطاج. هل هناك شيء بعينه يشدكم إلى هذه الحقبة من الزمن ؟

اهتمامي بهذه الحقبة من الزمن مرتبط بعشقي لحنبعل، لكن كلما درست التاريخ القرطاجي كلما زاد فهمي و- إعجابي لهذه الحضارة العظيمة. فقد كانت قرطاج الأكثر تقدما من أي دولة أخرى في عالم البحر المتوسط في ذلك الوقت. لم يحذق القرطاجيون الملاحة و السفر فقط ، فقد كانوا مهندسين وفنانين فضلا عن أنهم سادة التجارة والتنظيم السياسي. وقد أثنى أرسطو على دستورهم وحكومتهم في كتابه “السياسة” كنموذج للعالم، ومن المرجح أن يكونوا قد أرسوا أول أشكال الديمقراطية قبل الإغريق.

 

عملة إيبيرية – إسبانية في القرن الثالث قبل الميلاد

3/ كما ذكرت، فانت تولي إهتماما منقطع النظير ب”حنبعل”. في المقابل، قليل هم من يعرفون القيمة الحقيقية لهذه الشخصية. فهناك من يعتقد أنه قائد حربي فقط وهناك من لا يعلم أصلا أن حنبعل ولد وعاش في تونس.

بدأ اهتمامي بحنبعل في مرحلة الطفولة، إذ كنت، على غرار زملائي في مقاعد الدراسة مفتونا بتلك الملحمة للقائد العظيم حنبعل؛ فقد شد انتباهي عبوره لجبال الآلب مرفوقا بفيلة. في وقت لاحق، عندما أصبحت أستاذ علم نفس غصت في غمار “التاريخ النفسي” لدراسة ما خفي في ما يخص الشخصيات التاريخية وقمت بتطبيق آليات البحث هذه على شخصية حنبعل.
في خصوص الجحود الذي يقابل هذه الشخصية، فلنعلم أن الرومان أتلفوا جميع الكتب و السجلات التي وجدوها عند تدميرهم لقرطاج في 146 قبل الميلاد. فكل ما نعرفه عن حنبعل اليوم هو ما كتبه أعدائه.
إذ أن، كل المصادر التاريخية الرومانية منحازة فلا يمكن اعتبارها مصادر جديرة بالثقة. لذلك اشتغلت على شخصية حنبعل والشخصيات القرطاجية المعاصرة كما اشتغلت على المؤرخين الذين دونوا هذه المرحلة ونعتبرهم اليوم كمصادر تاريخية لكن في واقع الأمر، المؤرخ بوليبيوس كان “خادما” لدى العائلة الرومانية المسؤولة عن المحرقة القرطاجنية و-تيتوس ليفيوس كان مكلفا بالدعاية لدى أغسطس إمبراطور روما . لذلك وجدت الكثير من التناقضات والتصنيع في كتاباتهم فحاولت إعادة بناء صورة حنبعل من خلال سلسلة من المقالات التي نشرت في ” History Herald”.

د. يوزان موزيغ في تونس

4/ تحدثتم عن المؤرخ بولييبيوس، الذي أكد أن حنبعل كان قد خسر معركة زاما. كنا نصدق هذه القصة إلى حين ظهور معطيات جديدة في علم الآثار، ما يدحض فرضية خسارة حنبعل لهذه المعركة. ما رأيكم ف هذه المسألة ؟

علينا أن نفهم أن الرومان كانوا يعتبرون أنفسهم متميزين ومتفوقين على كل الشعوب الاخرى، لذلك كانوا يغتاظون من هزائمهم أمام حنبعل. بالخصوص، نذكر معركة كاناي التي اعتبرها الرومان هزيمة مذلة لهم إذ إنتصر عليهم حنبعل رغم تفوقهم العددي.
لمحو هذه الخيبة التجأ الرومان إلى اختلاق إنتصار وهمي على جنود حنبعل. فاختلقوا معركة زاما، وادعوا أنهم إنتصروا على حنبعل خلالها، ليحل الحديث عن هذه المعركة محل الحديث عن معركة كاناي المذلة.

لقد درست جميع النصوص المتعلقة بهذه المعركة ثم قدمت محاضرة سنة 2007 في باريس و ابرزت المفارقات العديدة وعدم التطابق بين النصوص الذين وثقوا هذه المعركة المزعومة. بعد ذلك، نشر السيد عبد العزيز بلخوجة كتابا “حنبعل : القصة الحقيقية وأكذوبة زاما “، بسط فيه كل المؤيدات العلمية التي تدحض ما قاله بوليبيوس، إذ كشف السيد بلخوجة حقيقة وثيقة السلم التي انهت الحرب بين روما وقرطاج معتمدا على مقاربة بين ما تضمنته الوثيقة وتاريخ إنشاء الميناء البونيقي، ليتبين بالكاشف أن نص المعاهدة هو غير ذلك الذي وثقه بوليبيوس وأن معركة زاما لم تحدث أصلا. يمكنني القول أن الأطروحة التي قدمها السيد بلخوجة، كانت إجابة عن كل التساؤلات التي شغلت ذهني خصوصا تلك المتعلقة بالهنات وعدم التطابق التي تضمنتها نصوص بوليبيوس. في مكتبتي، يوجد أكثر من 10 آلاف كتاب حول حنبعل لكني أعتقد أن ما كتبه عبد العزيز بلخوجة هو الأهم على الإطلاق.

 

د. يوزان موزيغ يمتلك أكبر مكتبة تخص حنبعل في العالم وتحتوي على 10 ألف كتاب

5/ واجهت قرطاج، بعد تدميرها، عدة إتهامات أهمها التضحية بالأطفال وتقديمها كقرابين الى الآلهة. هل كان هذا صحيحا ؟

تعرضت قرطاج الى حملة من الإشاعات من قبل منافسيها في البحر المتوسط بما في ذلك اليونانيون و خاصة الرومان. فبعد الإبادة الجماعية التي نفذتها، كان على روما بث الأكاذيب لشيطنة قرطاج وبالتالي تبرير الجريمة التي اقترفتها في حقها. وجه الرومان تهما عديدة لقرطاج منها “التضحية بالأطفال وتقديمهم كقرابين” ليظن العالم بيسره أن سكان قرطاج ليسوا إلى وحوش آدمية من الواجب تدميرهم والقضاء عليهم. لكن لم تظهر البحوث الحديثة أي دليل على صدق هذه الأقاويل فهي إذن مجرد أكاذيب ودعايات.

كتاب “حنبعل، القصة الحقيقية وأكذوبة زاما” للكاتب عبد العزيز بلخوجة دار نشر : ابولونيا

6/ هل يتمتع حنبعل، في عصرنا الحاضر بالمكانة التي يستحقها خاصة لدى التونسيين ؟

التاريخ لم ينصف حنبعل. كان مصير حنعبل -عند المؤرخين- مثل مصير نابليون. فما سجله التاريخ أنه هزم في نهاية المطاف رغم الدعاية أنه قائد لا يهزم، مما جعله يفقد الكثير من هيبته ( هذا الكلام ينطبق على حنبعل ونابليون رغم أن هذا الأخير عاش في حقبة تاريخية أخرى). لكن حنبعل لم يهزم قط. بانتصاره في معرك كاناي الشهيرة، يعتبر حنبعل الفائز في الحرب وفق مبادئ العصر الهيلينستي الذي عاش فيه. -كان على روما الاعتراف بالهزيمة أمام حنبعل بعد خسارتها لتحال معارك متتالية-.بعد انتصاره في كل المعارك, لم يرد حنعل تدمير روما، فغايته كانت أسمى وأنبل من ذلك بكثير فمبتغاه كان تحرير ماجنا غراسيا في الجنوب الإيطالي ومدن السلت في الشمال وكل المدن الإيطالية التي سيطر عليها الرومان. لكن روما دمرت قرطاج بعد ذلك لأن حنبعل لم يحصل على المدد من شمال إفريقيا كما هو معمول به، فرجال السياسة القرطاجيين كانوا منهمكين بحماية ثرواتهم (مناجم الذهب والفضة في إسبانيا). فحنبعل لم يخسر الحرب، لكن السياسة شائت ذلك. لم يكن حنبعل قائد عسكري فقط -رغم أنه الأقوى و الأشجع والأذكى بين كل الجنرالات في تاريخ الانسانية- بل كان رجل دولة قضى على الفساد خلال فترة حكمه وهو أيضا خبير إقتصادي أعاد قرطاج الى مكانتها السابقة في سنة واحدة كما عرف بمهارته في التخطيط والهندسة فقد يكون هو نفسه من أشرف على بناء الميناء المزدوج البونيقي ( واحد من روائع العالم القديم) ويقال أنه صمم عاصمة أرتاكساتا للملك الأرمني. لكن على على عكس الاسكندر الأكبر، يوليوس قيصر، نابليون بونابارت وغيرهم من القادة العسكريين العظماء لم يسعى حنبعل إلى تحقيق غايات شخصية فقد كان يحارب من أجل بقاء شعبه. لكن كان بطلا رائعا ما من شأنه أن يلهم شباب تونس اليوم وشباب كل العالم – لو عرفوا الحقيقة طبعا*-

الفيلة، طبعا، حاضرة بقوة في مكتبة حنبعل

 

7/ على غرار حنبعل، فقد عرفت تونس شخصيات عظيمة تركت بصمتها في التاريخ لكن لا تحظى هي الاخرى بالمكانة التي تستحقها. هل هو الجحود ؟

بالفعل، كانت تونس ولا تزال ولادة لعديد من الشخصيات التاريخية التي تفرض الإعجاب كحنبعل وإبن خلدون وغيرهم من الشخصيات التي يمكن للتونسين الإفتخار بها ويمكن أن تكون لهم مصدر إلهام. لكن، من المؤسف أن الإهتمام بالتاريخ قد قل وأصبح الشباب أكثر ولعا بأمور أخرى. في المقابل، أرى نوع من التحسن في علاقة الشباب بالتاريخ في الآونة الأخيرة. آمل أن تكون الفرصة ليعرف الشباب الأبطال الحقيقيين ليتمكنوا من تجسيد البشرية بشكل أفضل في هذه الفترة العصيبة.

د. يوزان موزيغ في كاناي

 

حاوره : زهر الدين برحيمة

تعليقات