قد يكون أهم ما يحتاجه التونسي اليوم هو تحسن مستوى المعيشة وذلك لا يكون إلا بدفع عجلة الإقتصاد وجلب المسثمرين سواء كان ذلك من داخل البلاد أو خارجها. بعد أن فاز الشعب في معركة الحريات وإرساء الديمقراطية و شهد له بذلك العالم باسره، بقيت الرهانات الإقتصادية والاجتماعية معلقة. لم تنجح الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في الدفع ولو قليلا إلى الأمام والسبب حسب ما يبدو هو البيروقراطية الإدارية و “الخمول الإستراتيجي” ما جعل بلادنا غير مواكبة للمستجدات الإقتصادية العالمية.

لمحة من نموذج مدينة تونس الإقتصادية

منذ تولي أول حكومة لمهامها بعد الثورة، صدعت أذهاننا بعبارة “مؤقت”، وكان كل ما طلب أمر من حكومة إلا و اجابت أنها مؤقتة وغير مؤهلة لإجراء إصلاحات كبرى في البلاد. تواصل الأمر كذلك حتى إنتخابات 2014 ، حين شكلت أول حكومة منبثقة من حزب منتخب فصدعت آذاننا بكلمة “تغول”، فرحنا نضيع الوقت في إرضاء الأحزاب وتقسيم الوزارات.

لن نطيل أكثر الحديث في السياسة، لأن الوضع الإقتصادي في تردي متواصل وسبب ذلك لم يكن قط حكومات مؤقتة أو حكومات متغولة، فالأمر لا يعدو أن يكون مسألة عقلية وبيروقراطية إدارية.

تحدثنا في مناسبة سابقة عن مشروع  “مدينة تونس الإقتصادية”، وأشرنا إلى المفارقة العجيبة بين قيمة المشروع الكبرى وتهاون الدولة الغريب في الاستفادة منه. سنعود هذه المرة إلى نفس المشروع بتقديم معطيات جديدة لنسلط الأضواء عن مدى تأخر ادارتنا وتقوقعها في مكان ما على هامش التاريخ.

يتمثل المشروع في  إنشاء مدينة حديثة شاملة و متكاملة سيتم بنائها على مراحل، على مساحة 90 كلم مربع تقريبا و شريط ساحلي بطول 18 كلم محاذية لمطار النفيضة الدولي، وقد تم الإعلان عن المشروع في يوم 9 سبتمبر 2014 بحضور رئيس البرلمان التونسي السابق ، و العديد من الشخصيات العربية والعالمية بمشاركة أكثر من  100شركة  عالمية مساهمة في المشروع من حوالي 30 دولة .

يوفر هذا المشروع تقريبا 250000  فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال 15 سنة. توفر الدولة قطعة الأرض والتراخيص وتكون بذلك شريك بالنصيب الأكبر من الأسهم.

وافقت الدولة على المشروع لكنه لم يتم إنجازه إلى الآن و السبب مضحك. تريد الدولة تقسيم المشروع على مناطق مختلفة من الجمهورية، شيء ما لا يتماشى مع طبيعة المشروع كقطب إقتصادي (hub). الغريب في الأمر، أن الأرض التي سيبنى فوقها المشروع جاهزة أي أنه لا عائق فني أو عمراني في ذلك، المشكل الوحيد يبقى في الأذهان التي لا تقبل الأفكار الجديدة حتى وإن كانت هي اللأقرب والأكثر تناغما. فالمسؤولين اليوم متمسكين بنصوص قانونية بالية تمنعهم من إلقاء نظرة على التجارب الإقتصادية الناجحة في العالم.

فلا داعي للحديث عن كوريا الجنوبية وماليزيا واندونيسيا، سنذكر فقط أن الإمارات ورغم الريع النفطي الذي تتمتع به قالت أنها ستحتفل حين ستصدر آخر برميل نفط، معنى ذلك أنها لا تخشى أن ينضب نفطها أو أن تقل قيمته ويعود فضل ذلك إلى سياسة إقتصادية ناجعة وشجاعة انتهجتها تحسبا لكل التغيرات، أما نحن ورغم الفرص المتفورة لدينا من موقعط إستراتيجي بين أوربا وإفريقيا و توفر عروض الإستثمار مازلنا حبيسي النظرة الضيقة للمسؤول التي لا يتعدى أمدها باب مكتبه.

تعليقات