أسدل الستار على نتائج الإنتخابات البلدية وهو ما يفتح بدوره المجال للحديث عن خارطة الطريق القادمة في مختلف الجهات وحتى على المستوى الوطني. خلق الحديث عن الفائز جدلا واسعا بين مكونات المشهد السياسي والمجتمعي والإعلامي، رغم اننا نتحدث عن أرقام، أي معطيات جبرية صحيحة. فما هو الرهان وراء هذه الزوبعة ؟

في فلسفة الإنتخابات البلدية :

ما هو متعارف عليه في عالم الديمقراطية أن الانتخابات البلدية هي الحجر الأساس للديمقراطية التشاركية والتأسيس للحكم المحلي ( وهو ما ينص عليه الدستور التونسي في بابه السابع) أي أن المواطن ينتخب من يمثله لتسيير الحياة اليومية ( طرقات، إنارة، نظافة، صحة ..) أي القطاعات الأقرب إلى عقل المواطن على عكس “السياسة” – رغم أن البلديات سياسة أيضا، لكن بمفهوم مختلف- التي عادة ما تزج مواضيع لا يهتم بها المواطن.

يحدد تاريخ الانتخابات البلدية بين التشريعيتين أو بين الرئاسيتين لتمكن الناخب من توجيه رسالات الشكر أو اللوم على الأحزاب التي انتخبها وتكون بذلك إنذارا ونبراسا و مخططا يستأنس به للإستحقاقات الإنتخابية القادمة.

البلديات في تونس :

ما جلب الأنظار في هذه الانتخابات البلدية هو تراجع الحزبين الكبيرين، النهضة والنداء. لم تكن النتيجة مفاجئة لأن الحزبين دخلا الانتخابات البلدية من الباب الصغير بالنظر لتواجدهما في الحكم و عدم توفيقهما في إدارة الوضعية الصعبة للبلاد ( بطالة، ميزان تجاري عاجز، تدهور الدينار، تضخم مالي، حالة يأس لدى الشباب… ).

هناك عقبة أخرى عطلت ماكينة الحزبين هي توافقهما غداة انتخبات 2014 ، فلا أصدقاء النهضة باركوا تحالفها مع من يعتبرونه جلاد الأمس، ولا أصدقاء النداء سعدوا بالتحالف مع الحزب الذي انخرطوا في السياسة فقط لإبعاده.

خيبة أمل الناخبين من الأحزاب فسحت مجالا للمستقلين لفوز بثقة فئة من الناخبين -بإعتبار أن فئة اخرى قاطعت الانتخابات- وهو ما جعل القائمات المستقلة تتصدر منصة النتائج ( بنسبة 28 % حسب سبر الآراء، في إنتظار الإعلان عن النتائج الرسمية).

هذه النتائج وبالرغم من انها منتظرة فقد لم يستسغها البعض والدليل على ذلك هي النتائج التي نشرت بعد إغلاق الصناديق، حيث تم تغييب المستقلين الذين تحصلوا على 28 % فخيل للمتفرج للوهلة الأولى أن القائمات المستقلة لم تتحصل على نتائج تذكر أو ما أصبح يعبر عنه في المعجم السياسي التونسي ب”صفر فاصل”.

 

لكن الأجدر هو نشر النتائج بهذه الطريقة :

فهل يمكن الحديث عن حملة اتصالية لإقناع الرأي العام أن المنتصرين هم الأحزاب وأنه لا يمكن الحديث عن إنتصار للمستقلين حتى لا يتأثر المشهد السياسي بهذا التغيير  ؟ الردود حول هذه المسألة تمثلت في كون القائمات المستقلة ليست موجودة في كامل تراب الجمهورية لذلك لا يمكن حشرها مع الأحزاب في الترتيب العام.

قد يكون الجواب منطقيا. لكن حري بنا التذكير أن مجموع النتائج على المستوى الوطني لا يؤثر على مسار التحالفات للمجالس البلدية القائمة، كل ما في الأمر هو فحوى الرسالة التي قدمها الشعب للأحزاب السياسية ( النقطة الثانية التي تحدثنا عنها في أول المقال ” في فلسفة الإنتخابات البلدية” و التي لا يجب طمسها حتى ينكب كل ممثلي الأحزاب على العمل بجدية أكبر والخروج بالبلاد من أزمتها الحالية.

حري بنا التذكير أيضا، أن الأرقام هي الأرقام في الديمقراطية ولا يجب التفلسف في تأويلها مثلما حدث سنة 2014 عندما فاز النداء في الانتخابات التشريعية فسال الحبر للحديث عن تفوق نسبي وعن إستحالة تكوين حكومة سياسية مسؤولة ف ف”تفرت” الحكم بين عدة احزاب، يدفع كل منهم المسؤولية إلى الحزب الآخر إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

الأهم :

ما هو أكثر من المهم، هو تشكيل المجالس البلدية القادمة. فكل الفائزين سواء كانوا مستقلين أو متحزبين يستحقون هذه المناصب وعليهم العمل من أجل ناخبيهم والمعادلة هنا سهلة لأن الطريق إلى بناء مدن أفضل أصبحت سهلة سهلة، فلا يجب إلا تطبيق القانون وتنفيذ الأفكار الجديدة دون الخوض في الصراعات الضيقة.

تعليقات