قد يكون أجمل ما في تونس، هي خصوبتها ولا نتحدث هنا عن الفلاحة والزيتون والنخيل فقط ، بل وأيضا خصوبة الأذهان التي لا تكل من توليد الأفكار ليظل بذلك الأمل قائما في أنه يوجد في هذا الوطن ما يستحق الحياة.

قصة اليوم تأتينا من بلال العلوي المعروف بكميونه الثقافي  وهو عبارة عن شاحنة قديمة جعل منها بلال مسرحا متنقلا يجوب به أطراف البلاد تحت شعار ما سماه الإكتساح الثقافي و الذي يهدف إلى إيصال الثقافة والفن إلى كل مواطن تونسي حرمته الجغرافيا من أن يرى الجمال والفن وكل فعل إنساني من شأنه أن يعطي معنى للحياة.

بلال العلوي

أمام ضعف الإمكانيات وتهاون الإدارة في توفير الدعم لهذا المشروع، كاد بلال أن يتخلى عن فكرته و يوجه طاقته في بناء مستقبله كشاب له من المقومات ما تجعله ينجح ويعيش حياة “سعيدة”. لكن مع حلول سنة 2018، فاجأ بلال الجميع. لم يتخلى عن “الكميون الثقافي” بل ارفقه ب”بسكلات” أي دراجة هوائية تساعده على الوصول إلى المسالك الوعرة التي لا تصل إليها الشاحنة.

وفي إتصال هاتفي ب”مجلة الوطن” للحديث عن هذه التجربة أفاد بلال أنه ومن خلال تجربته مع “الكميون الثقافي” إكتشف أن هناك عدة مناطق بها أطفال لا يمكن أن يصل إليها بالشاحنة إضافة إلى أن الدراجة غير مكلفة وهو الذي عانى الكثير من غلاء سعر البنزين وعدم قدرته على تسديد معاليمه. و عن سؤالنا عن سر التمسك بهذا المشروع، رغم أنه لا يجني منه شيء أجاب بلال أن لكل شخص مهمة فوق هذه البسيطة ويمكن إعتبار ذلك بمثابة القدر المحتوم :” أحس أني ولدت لإيصال الثقافة إلى الملناطق البعيدة التي حرمتها الجغرافيا والتاريخ والدولة كما ولد صحافيون للحديث عن هذا المشروع كما ولد بائعوا هدايا نشتريها من أجل أطفال هذه المناطق. هكذا هي الحياة سلسلة وكل منا حلقة من حلقاتها”

بنفس التواضع، فسر بلال استماتته عن هذا الحلم بأنه خلال “غزواته” الثقافية  رأى مشاهد قاتمة أو “توجع” كما عبر بلسانه : أطفال صغار قتلهم البؤس فلا يعرفون كيف يفرحون حتى وإن قدمت لهم السعادة. “تصورا أن أطفالا هربوا عندما رأوا الدمى وآخرون لم يتعرفوا عن الشكولاتة عندما قدمناها لهم.

هناك في المرتفعات وخلف الجبال ووراء الهضاب، أطفال تونسيون تعلموا منذ نعومة أظفارهم جمع الحطب ورحي القمح وهذا هو معاشهم أما اللعب فلا يسمعون عنه أصلا، شيء ما جعلنا نقضي وقت أكبر معهم حتى يتعودوا على الفرح ويعلموا أنه من أكمل حقوقهم. تلك الوجوه الباسمة أمام رقصات المهرج والأيادي الصغيرة التي تصفق بحرارة على عروض مسرحنا المتنقل هي التي غلبت برود الإدارة وبيروقراطية المسؤولين التي كادت أن تقضي على أملنا في بناء وطن يوفر الفرح و الفن للجميع. فقط بدراجة إستطاع بلال أن يطبق اللامركزية في حين اننا خصصنا لها بابا كاملا في الدستور وانفقنا أموالا طائلة في الإجتماعات وأعمال اللجان و ما زلنا لم نرى شيئا تحقق إلى حد الآن.

ذلك هو بلال، بالرغم من اختلافه عن مجتمعه فهو لم يخالف القاعدة التونسية التي عرفت منذ تأسيس قرطاج وهي قدرة الفرد على التفكير و البناء وتغيير الواقع مهما كان سيئا. فقد تكون دراجة هذه قد تجاوزت  قواعد الفيزياء إذ تعلمنا أن دواسات الدراجة تولد طاقة معينة إذا ما دسنا عليها وقد تتحول هذه الطاقة إلى طاقة كرهبائية إذا ما أردنا ذلك، لكن ها هو بلال بدواسات دراجته يولد ثقافة وفن ومسرح وحب ينشره بين أطفال وطنه “المبعدين”.

تعليقات