لازالت مسألة المساواة في الميراث تزيل الكثير من الحبر خصوصا لما تتضمنه من تعقيدات على الصعيدين القانوني والاجتماعي. فهنالك من يرى مبادرة رئيس الجمهورية (13 أوت 2017)، منعرجا جديدا في تاريخ تونس وتكون بذلك شأنها شأن مجلة الأحوال الشخصية التي أتى بها الزعيم بورقيبة غداة الإستقلال وهنالك من يرى أن الأمر لا يتعدى أن يكون محاولة متسرعة لدخول التاريخ  بإصدار قرارات جريئة دون الإلمام بجوانب الموضوع.

بين مؤيد ورافض، اختارت مجلة الوطن إستشارة عدول الاشهاد لأن المسألة تخصهم بدرجة أولى كأهل إختصاص مهنيا و معرفيا، فكان لنا حوار مع الأستاذ، طارق الجلاصي، رئيس الغرفة الجهوية لعدول إشهاد محكمة الإستئناف ببنزرت وعضو مكتب الجمعية الوطنية لغرف عدول الإشهاد الذي خصنا بما يلي :

 

إن اعلان مبادرة رئيس الجمهورية في خطابه بمناسبة الإحتفال بعيد المرأة التونسية عن وجوب المساواة في الميراث بين المرأة والرجل يجوز لنا نحن عدول الإشهاد وعلى اعتبارنا المختصون بامتياز في مادة المواريث بما أباحه الفصل 12 من القانون عدد 64 لسنة 1994 والمؤرخ في 24 ماي 1994 والمتعلق بتنظيم مهنة عدول الإشهاد من ان عدل الإشهاد يختص بإقامة الفرائض بناء على حجة الوفاة، وعلم الفرائض ولئن قد لا يسمح المجال إلى الخوض في تعريفاته سواء الشرعية أو القانونية وإنما يختزل في كونه الطريقة القانونية لتوزيع التركة ومن ضمنها توزيع منابات المستحقين مما خلف الهالك من ميراثه، وهو علم يشهد كافة الدارسين له وخاصة من اهل القانون مدى تشعبه وتعقيده إذ هو جملة من القواعد القانونية المبنية على منطق رياضي ورد تنظيمها صلب مجلة الأحوال الشخصية التونسية تتفاعل في تناغم مع قائمة الورثة المستحقين إضافة الى ما يمكن أن يصاحبهم من وصايا سواء منها الوجوبية أو الاختيارية.

ومهما يكن من أمر تعريف علم الفرائض والمواريث في القانون التونسي فإن عدل الإشهاد  وكما سبق وعلى اعتباره المختص الوحيد في إقامة هذه الفريضة فإنه يعلم أيضا أدق خبايا منشأ كل قاعدة من قواعد التوريث وما يحيط بها من تأثيرات اجتماعية وحتى اقتصادية.

وإن القول بأن المبادرة المذكورة هي سليمة من عدمها علينا النظر بادئ الامر في المرتكز الأساسي الذي قامت عليه مجلة الأحوال الشخصية التونسية في خلفياتها التاريخية وعن إرادة المشرع آن ذاك في انه تبنى المبنى الشرعي المذكور في القرآن على اعتبار أن المجتمع في تلك الفترة يدين كله بالإسلام فهل تغير شيء من هذا المنطلق حتى نبحث عن قراءة جديدة لمرتكز الفصول القانونية المنظمة لقواعد الإرث.

إن دستور 24 جانفي 2014 ينص بفصله الاول بان تونس دينها الإسلام وهذا يؤكد المبدا الاول الذي قامت عليه المجلة ، وحتى ما جاء بالفصل السادس من الدستور بأن الدستور يكفل حرية المعتقد ولئن ليس من مجال تخصصي في شيء القول بأن هذا الفصل قد مس من تكريس الدين الإسلامي كمعتقد لهذه البلاد من عدمه غير أنني بمنطق المواطنة اعتقد جازم الإعتقاد أنه لم يغير من محورية ما جاء بالفصل الأول من الدستور بان تونس دينها الإسلام وان معتقد المجتمع التونسي في جله مجتمع مسلم.

وطالما أن مرتكز قواعد مجلة الاحوال الشخصية في الإرث لم تتغير فقد صار لزاما علينا التثبت من الناحية القانونية وخاصة الإجتماعية هل حدثت تغيرات دفعت برئيس الجمهورية إلى الإعلان عن هذه المبادرة وهي مبادرة وجب أن لا نغفل من الناحية التاريخية أن نذكر بأسبقية النائب بمجلس نواب الشعب السيد المهدي بن غربية الذي تقدم بمبادرة تشريعية عبر مقترح ممضى من ثلاثين نائب أودعت بمجلس نواب الشعب منذ ما يزيد عن سنة خلت بخصوص تنقيح مجلة الأحوال الشخصية التونسية ومضمونها فصل وحيد وهو وجوبية أن تكون قاعدة إرث البنت مع الولد الأشقاء بالمساواة فيما بينهم كمبدإ عام ولا يجوز مخالفة ذلك إلا في وجود إتفاق كتابي صريح بينهم على عدم اعتماد هذا المبدإ وفي شرح أسباب هذا التنقيح اعتمد على وجوب المساواة بين الرجل والمرأة خاصة أمام ما يجب العمل عليه في إطار تحقيق الحقوق الكاملة للمرأة التونسية.

حين العودة إلى عمق مبنى مسألة تنظيم الميراث في المستوى الإجتماعي ودون الخوض في المسائل التاريخية والتغيرات على مستوى العالم فإن مجلة الأحوال الشخصية انبنت كما سبق في جميعها على ما جاء بالتشريع الإسلامي إلا مسألتين أو ثلاثة ليس هذا مجال التطرق إليها .

وتبقى مسألة أن يرث الذكر مثل حظ الانثيين مسألة لا تتعلق إلا بمنابات الأبناء الأشقاء الذكور والإناث ، حيث أن الأصل في الأمور أن البنت ترث بفرض معلوم أي بنسبة حددتها القواعد القانونية وأن الأصل في أن الابن يرث دائما ما تبقى بعد أن يتحصل أصحاب الفرض المعلوم على فرضهم أو حصتهم وانه متى كان للبنت شقيق فإنه يؤثر على العملية ويدخلها معه في قائمة المنتظرين لان يتحصل أصحاب الفروض المعلومة على فروضهم ثم يقتسمان سوية ما بقي بقاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين وتسمى هذه العملية بقاعدة العصبة إذ يعصب الشقيق شقيقته فيحيلها من الفرض المعلوم إلى فرض العصبة أي اقتسام الباقي بينهما بقاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين .

ومرتكز هذه القاعدة لا كما روجت لذلك إحدى مستشارات قصر قرطاج بان في الإسلام لا قوامة لاحد على الآخر إلا بالتقوى وهي قاعدة ولئن كانت أصولية صحيحة غير انه ليس هنا موضعها ولا مجال انطباقها وإنما القوامة المقصودة فيما سبق بيانه من قاعدة في التوريث أصولها مجتمعية ضاربة في القدم وأساسها فكرة ذكورية المجتمع أي ان القوامة في الإنفاق من المال كواجب محمول على الرجل دون المرأة.

وحتى مجلة الأحوال الشخصية التونسية تبنت منطق القوامة دون إعلانه صراحة ولكنه تم تكريسه وبوضوح ونجد له سندا قانونيا في النصوص القانونية سواء التي جاءت اثر الاستقلال أو حتى القوانين الحالية الحديثة.

فالفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية ينص على أن الزوج محمول عليه واجب الإنفاق على زوجته وعلى أبنائه منها.

وحتى في مادة الطلاق فإن نفس المجلة كرست مبدأ نفقة العدة وقاعدة التعويض عن الضرر المعنوي الذي لا تستحقه إلا الزوجة واما الزوج فلا ضرر معنوي له وذلك في حالة الطلاق للضرر، وحتى أحكام النفقة في القوانين التونسية كانت ولا تزال رادعة للزوج الذي يهمل واجب الإنفاق على زوجته بأن يتم إيداعه السجن بمجرد عدم خلاص معلوم النفقة.

وجملة هذه الأحكام ودون الخوض في تفاصيلها هي أيضا أحكام شرعية اسلامية لأن الأحكام في وقتها شرعت لتنظيم مسائل إجتماعية واقتصادية صار لها أن تعيش إلى اليوم فيكون بذلك معنى لمفهوم القوامة بمنطق أن الرجل قوام على المرأة بواجب الإنفاق ولذلك نجد أن تناغم المنظومة الاجتماعية الإقتصادية والقانونية في أن يتعلق الميراث بوجوب إسناد منابين للذكر ومناب للانثى لأنه في مقابل ذلك هنالك جملة من القواعد القانونية توجب عليه هذا الواجب بل وتزجره بالعقوبة البدنية وسلبه حريته بسجنه متى تخلف عن أداء هذا الواجب.

والقول اليوم بأن المجتمع قد تطور إلى الحد الذي يسمح بمراجعة القاعدة القانونية لا أدري واقعا مرتكزها الواقعي في ظل بقاء تشريع قواعد أحكام النفقة في القانون التونسي على حالها.

فلئن ليس لنا إنكار واقع أن المراة اقتحمت مجال العمل واصبحت تجني ما قد يجنيه زوجها من دخل بل وحتى أكثر منه في كثير من الأحيان وتساهم في الإنفاق على الأسرة بل وقد تصل حد الإنفاق بمفردها على كافة أفراد الأسرة ولكن قانونا ليس من واجبها ذلك وليس لها عقوبات زجرية بدنية بالسجن في حال تخلفها عن القيام بهذا الواجب كما هو قائم اليوم في حق الرجل.

كما أن واجب الإنفاق لا يقف عند حد الإنفاق على الزوجة بل يتعداه إلى وجوب إنفاق الرجل على والديه بقوة القانون وهو ما لا يفرضه على المرأة.

كما أن الإنفاق على الأبناء الذين هم في كفالة والديهم فإن الفرق في السن القصوى بين الذكر والأنثى مكرس بنص القانون فالبنت تستحق النفقة إلى أن تتزوج وأما الابن فإنه إلى حد سن قصوى محددة قانونا.

الحق أقول أن المس بقاعدة أصولية جوهرية مبناها هذا الكم الهائل المترابط والمتلازم والمتناغم في مقابلتها من واجبات يقوم عليها المجتمع التونسي  وبتناغم لا يمكن مراجعتها أو مجرد تنقيحها لمجرد فكرة ألمت بصاحبها بل لا بد من توفير أرضية قانونية متماسكة وسليمة حيال الإتيان بقاعدة جديدة.

وأهم هذه القواعد الجديدة هو وجوب إلغاء واجب النفقة المحمول على الزوج وجعله واجبا متناصفا بين الزوجين وعلى من أخل بواجبه تطبيق أحكام السجن عليه أو الغاء هذا الواجب عن الزوج من أصله ولنبحث عن حل بديل يحل محله.

من مطالب التونسيات

كما أنه يصبح من غير المقبول ولا المعقول وجوب تنصيص حكم الطلاق على معلوم نفقة العدة طالما أننا نبحث عن مبدإ المساواة على اعتبار أن الرجل لا يستحق هذه النفقة.

كما علينا إيجاد حل لإلغاء كل ما من شأنه أن يميز الرجل عن المرأة ومن ثمة فيصبح لا معنى قانوني في أن ينفق الزوج على أبنائهم بعد الطلاق والحضانة مسندة للزوجة ، كما أنه من غير السليم ولا المقبول أن يقضي القاضي بطلاق الزوجين ويسند الحضانة للزوجة وعلى الزوج أن يوفر لهم مسكنا وينفق عليه .

هذا فضلا عن أن مسألة المهر في القانون التونسي يصبح لا معنى لها ونحن كعدول إشهاد نعلم علم اليقين أن ما يتم التصريح به من مهور في عقود الزواج لا يعكس واقع قيمتها الحقيقية وما تمثله من سند مادي للزوجة المقبلة على الزواج.

كما أنه يصبح من غير المقبول ولا المستساغ اجتماعيا أن يكون من شروط قبول المترشح للزواج من قبل أهل البنت المراد خطبتها أن يشترطوا عليه أن يكون مالكا لمنزل ويصبح من غير الواجب على الزوج أن يبحث عن منزل يتسوغه أو يشتريه بمفرده وهي منظومة عرفية اجنماعية مستقرة ولا تقبل المساومة.

أمر مؤرّخ في 13 أوت 1956
يتعلّق بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة

وكما علينا إيجاد حل لإلغاء كل ما من شأنه أن يميز الرجل عن المرأة فإن قيام واجب النفقة من الرجل تجاه زوجته فهو استنقاص من قيمة المرأة وبالتالي لا بد من وجود حلول قانونية أكثر تلاؤم مع حرية المرأة على نحو أن تبرهن بأن لا فرق بينها وبين الرجل بأن تنادي بأعلى صوتها بوجوب إلغاء هذه التفرقة الجنسية بينها وبين الرجل فيما يتعلق بقانون الخدمة العسكرية ووجوب شمولها به فيكون التجنيد واجبا على جميع التونسيين والتونسيات دونما استثناء وبذلك تتحقق مداخيل إضافية لخزينة الدولة.

كما أن قصر صورة المساواة في الإرث بين الجنسين على صورة وحيدة وهي صورة ميراث البنت والإبن من والدهما وأمهما فقط هو قول قاصر وليس فيه ذوق سليم بل يصل حد التعارض مع أصل مبدإ القول بالدفع نحو اكتساب المرأة كامل حقوقها وحريتها والغاء الفوارق بين الجنسين فإن هذه الصورة المتحدث عنها نعم تتعلق بصورة المراة البنت والتي تكون في نفس الوقت حفيدة لجد لأب أو لجدة لأب أو لجد لأم أو لجدة لأم كما تكون أما وتكون جدة … فهل نعطيها مفهوم مرأة في صورة واحدة ونبحث في باقي الصور عن تعريف آخر لها .

إن تقديم مبادرة تشريعية من صاحب الحق في تقديم أعلى المبادرات يجب أن يكون مبناها سليما ومرتكزا على مؤيدات ودراسات ومشاورات وتفاعلات ودراسة جدوى للتأثيرات الخارجية والقانونية والإجتماعية والإقتصادية وهو ما يسمى ” الليجستيك” أي علم صياغة القاعدة القانونية وأنا شخصيا أعتبر أن هذه المبادرة التي لم يجلس فيها صاحبها ولا مستشاروه إلى أهل الإختصاص وهم عدول الإشهاد على اعتبارهم المختصون الوحيدون وبإمتياز في هذا المجال يحكم عليها بأنها مبادرة عليه مراجعتها وبلورتها ومزيد تطويرها إلا اللهم أن تكون في إطار برنامج عمل سياسي له أهداف أخرى غير التي تناولتها فهنا أحبس قلمي وابقى انتظر التفاعلات القانونية وأما الردود الدينية أو السياسية فهي ليست من شؤوني فأنا رجل قانون فقط.

إقرأ أيضا : الأوجه الخفية لمبادرة “المسواة في الميراث”،     همسة : “حقوق المرأة” قضية رجالية أيضا

 

تعليقات