أعلنت حركة النهضة منذ سنة 2016 أنها حزب مدني. بذلك فقد تنصلت من حركة “الإخوان” المتورطة في جرائم ضد الإنسانية بتسفيرها لآلاف الشباب إلى سورية لخدمة مصالح “ناتو-وهابية” -بإيعاز من اردوغان وقطر-.

 

لم تكن هذه الجريمة قد ارتكبت ضد الإنسانية فقط بل ضد الإسلام أيضا الذي استعمل ووظف وحشر في صراع منفعي أساسه توزيع الغاز القطري وبسط سيطرة الغرب على المنطقة.

أمام فشل هذا المشروع وتغير المعطيات الجغراسياسية في الشام خصوصا وفي العالم عموما، كان على حركة النهضة تغيير سياستها وإنقاذ نفسها وهو ما فعلته بالتخلي عن الصبغة الدينية في خطها السياسي بمساعدة أو “بتزكية” من رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، لكن، يبدو أن هذا الأخير قد أوقعها في فخ بإطلاقه لمبادرة احرجتها وتركتها أمام خيارات محدودة وأحلاها مر.

لا تخلو الإشكالية من تعقيدات، لأن الأمر يتعلق بقراءة وتأويل النص الديني وما يحمله ذلك من اختلافات.
في تونس، ومنذ وصول الفاتحين في القرن السابع ميلادي، تم تأويل النص القرآني مع مراعاة القوانين الوضعية الموجودة آنذاك فتحقق تجانس سليم بين المبادئ التي جاء بها الاسلام والمجتمع.
إن لمن الواضح أن عقد القران القيرواني “الصداق القروي” هو التجسيد الأوضح لهذا التناغم بين ما جاء به القرآن وخصوصيات الشعب التونسي، اذ تخلصت المرأة التونسية من القراءة الضيقة للنص القرآني وتم منع تعدد الزوجات منذ القرن السابع ميلادي. وتواصل العمل بهذا “المشرع” لمدة 13 قرنا إلى حين تقنينه بإقرار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 بموافقة علماء الزيتونة.

هناك “مسألة” أخرى تم تجاوزها على المستوى التطبيقي ولكن لم يتم الفصل فيها علنا وبقانون ألا وهي المساواة في الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم. كل هذه المعضلات متأثرة إلى حد كبير بإختلاف القراءات المتأثرة بدورها بطبيعة البشر. لن نتوغل كثيرا في هذا الخلاف البينزنطي لأن النقاش الحقيقي يكمن بن الدين والحضارة.

لا يختلف عاقلان في أن الدين بطبعه مهد للحضارة، إذ نزل القرآن في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع حين لم تكن النساء ترث شيئا، و المواليد من جنس الإيناث تدفن أحياء تحت التراب، و كان الإستعباد يمثل القاعدة ولا يعتبر شذوذا.
تعرض القرآن لكل هذه المسائل وغير فيها ليكسب المجتمع أبعادا تقدمية وتحررية. لكن التقدم يمثل سيرورة تاريخية إذ هو مختلف عن الثورة في حدوثه(منعطف فجئي في الزمن) . وإن هذا التقدم هو ما صنع هيمنة العرب على العالم. وفي نهايته تقهقر العرب وتم الرمي بهم في هامش التاريخ وهامش الانسانية.
في القرن العاشر عندما تخلى العرب عن الحس النقدي و منعوه (حرق كتب إبن رشد مثلا) بدأ هبوطهم في سلم الانسانية وخروجهم من التاريخ. وها قد وصلنا “بفضل” داعش و الجهل والدكتاتورية إلى إلى أدنى درجات الانسانية إن لم نخرج منها أصلا.

نحن بحاجة اليوم إلى تقدم حضاري عظيم وإلا ستواصل الأمة المسلمة التدحرج نحو المجهول. ونعلم أن سبب تأخر امتنا هو السلطة المطلقة. لو واصل العرب تقدمهم بخطى النقد البناء ولو فهموا أن العقل ذو أولوية على النقل لما وصلوا إلى هذا الإنحطاط. يمكن الجزم إذا أن دين النقل والذي لا يخضع للعقل أصبح أفيون للبعض وعذاب لبعض الآخر وأداة للمستبدين.

تمثل تونس اليوم بفضل الديمقراطية التي تعيشها المنبر الوحيد الذي يمكن أن يحتضن حوار ديني وإجتماعي بناء. فللنهضة بصفتها الحزب الديني الكبير في البلاد رهانين عظيمين: إنقاذ نفسها من التحولات السياسية و العالمية و”إنقاذ” الاسلام نفسه الذي حشر في صراعات جغراسياسية وتم خلطه عمدا بالوهابية.
فهل تفعلها حركة النهضة وتعلن أن العقل يغلب على النقل في قراءة القرآن ؟ فإن كان لديها الجرأة لقول ذلك فإنها ستساهم في جعل تونس المنارة الثقافية الأولى للعالم الإسلامي لأنها وبكل بساطة ستحررنا من التشدد المقيت الذي أخرجنا من التاريخ منذ سنة 2011.

هناك معطى آخر يجب أن نضعه على الطاولة وهو أن رئيس الجمهورية لم يحسن بسط الموضوع. تناول السبسي مسألة المساواة في الميراث بطريقة متسرعة و”سياسوية” رغم أن الموضوع حساس بدرجة كبيرة لأنه قد يؤثر على تجانس المجتمع التونسي والأمة الاسلامية عامة.

تعليقات