يتذكر كل منا فكرة “الكميون الثقافي”، تلك الفكرة التي أتى بها الشاب “بلال العلوي” والتي بفضلها زار قرى عديدة في الجمهورية التونسية وقدم عروضا لأطفال المناطق النائية مما أدخل البهجة إلى قلوبهم و أعاد لهم الشعور بالإنتماء إلى الوطن، بعد أن ظنوا أنه قد نسيهم أو تناساهم. لكن يبدو أن هذا المشروع الطموح حكم عليه بالإعدام مع التعجيل في التنفيذ لعدم تأقلمه مع البيروقراطية و”الخمول الإداري”. قصة.

بدأ بلال مغامرته لما تلقى دعما من وزارة الثقافة في إطار مشروع “مدن الفنون” لكي يتمكن من إكتساح القرى المهمشة و غزوها بالثقافة والفنون والمسرح. كان بلال يحلم بشاحنة كبيرة مجهزة بأحدث التجهيزات لكي يستطيع تقديم الأفضل إلى أطفال تونس. أمام ضعف الدعم والامكانيات، خير بلال الإقتصار على شاحنة “عجوز” من نوع 404 ما يعرف بلغتنا العامية ب “كات كات باشي” فزينها و زوقها ليجعل منها تحفة فنية تجلب السعادة لأطفال خانتهم الظروف والجغرافيا وحتى التاريخ.

بعد مدة من الزمن إكتشف الجميع ما يقدمه بلال وأمطروه بوابل من عبارات الشكر والتقدير، شيء ما جعله يتشجع ويواصل رغم إنعدام الإمكنيات هذه المرة وليس ضعفها. انشأ بلال صحبة اصدقائه فضاء “فينوس” بقريته ماجل بلعباس وأثثه وجعل منه منارة ثقافية يأتيها الكبير والصغير باحثين عن رجاحة الفكر وفارين من تعاسة الواقع.
خلال محادثة هاتفية مع “مجلة الوطن”، صرح بلال أنه استقبل من قبل وزير الثقافة وتلقى وعود لكي يتمكن من دعم يساعده على إكمال حلمه الذي هو في الحقيقة حلم وطن بأكمله. مرت الأيام والأشهر ولم يتلقى بلال شيئا. في المقابل تكاثفت المصاريف وأصبح بلال في إحراج مع صاحب المحل الذي تسوغه لإنشاء فضاء “فينوس” بسبب عدم سداد معلوم الكراء. وكان كل مرة يتعرض فيها بلال إلى مضايقات من قبل من يطالبون بمستحقاتهم، يأتي رد من وزارة الثقافة تعلمه أنه تم رصد مبلغ مالي لدعمه ولم يبقى سوى إستكمال بعض الإجراءات الإدارية.

اليوم تعرض بلال إلى السب والشتم والنعت بأقبح النعوت من قبل أحد الدائنين، ما لم يتحمله في شخصه كمثقف وذاته كإنسان ومعنوياته كتونسي حالم بوطن أفضل تستنشق فيه الناس حرية وتتنفس بعد ذلك ثقافة. أمام الحاجة الملحة للمال، حتى يسدد الدين والحد من الهرسلة التي يتلقاها، لم يعد لبلال خيار آخر إلا بيع “كميونه الثقافي” ويبيع معه كل الأمل والحلم التي رآه في عيون الأطفال الذين زارهم.

أثناء إتصالنا بهم، أكد بلال أنه لم يعرف إلى حد الساعة سبب آلامه. أهو الحزن على “كميونه الثقافي” الذي لن يحمل ثقافة وألوانا و بهجة، بل سيعود شاحنة تحمل الخضر و الآجر والاسمنت كما صمم له أن يكون منذ البداية، أم هو اليأس من وزارته التي خال في وقت من الأوقات أنها الداعم الوحيد لمشروعه في وقت باتت فيه الثقافة عملة نادرة يدخرها أشباه المثقفين وينفقونها حين يخطر لهم ذلك .

جبل المغيلة…مدرسة الحسناوي

Publicado por Bilel Aloui em Sexta, 10 de março de 2017

تعليقات