لا حديث هذه الأيام سوى إلا عن الانتخابات الجزئية في ألمانيا وفوز ياسين العياري بالمقعد الشاغر في مجلس النواب و ضعف إقبال الناخبين مما يعطي مؤشرات سلبية للانتخابات البلدية. انتصار ياسين العياري على الأحزاب وتر العلاقة بينها مما أدى الى الحديث عن قطيعة محتملة بين النداء والنهضة. قراءة …

نداء تونس يدخل من الباب الصغير :

بلغة الأرقام، حزب نداء تونس هو المرشح الأبرز للفوز بهذا الرهان بإعتبار امتلاكه لأكبر قاعدة إنتخابية في ألمانيا حسب إنتخابات 2014. علوم السياسة والإتصال تقول عكس ذلك، لأن اللجوء إلى هذه الانتخابات يعتبر تبديدا للمال العام ومضيعة للوقت وخطأ سياسي يتحمل مسؤليته نداء تونس. للتذكير فإن النداء هو من إقترح تعيين السيد حاتم الفرجاني النائب المنتخب عن دائرة ألمانيا ككاتب دولة، ليقع اللجوء إلى هذه الانتخابات. هذا القرار المبهم لحقته الكثير من الأقاويل كالحديث عن خطة لافراغ مقعد في مجلس النواب لحافظ قائد السبسي المدير التنفيذي للنداء حتى يكتسب شرعية إنتخابية تنقصه لمستقبله السياسي. لم يترشح حافظ قائد السبسي لهذه الانتخابات، لكن القرار المبهم التي ولد هذه الإنتخابات  جعلت النداء يدخلها من الباب الصغير وكانه قدم نفسه لعقاب الناخبين. وهو ما يفسر تقلص عدد ناخبيه بشكل كبير.

لم يفز ياسين العياري لكن فشلت الأحزاب :

لا يمكن الطعن في فوز مرشح القائمة المستقلة “أمل”، ياسين العياري لأنه إنتصر وفق قواعد الديمقراطية. لكن هذه الإنتخابات الجزئية بدائرة ألمانيا، سلطت الضوء على عدة حقائق غفلت أو تغافلت عنها الطبقة السياسية. قد يكون أهم إستنتاج هو فشل الأحزاب بكبيرها وصغيرها في إستقطاب الناس ويعود ذلك إلى الأخطاء التي حدثت منذ انتخابات أكتوبر 2011. لم تعد للتونسي الثقة في الأحزاب، فتم التصويت لأول “بديل” مختلف عن ما تقدمه الأحزاب من خطاب سياسوي يزج المواطن في متاهات هو في غنى عنها. ياسين العياري ليس الأفضل أو قد يكون تشوب حوله عدة تحفظات لكن الأكثر إختلافا على الأحزاب التي أصبحت عبأ ثقيلا على المواطن التونسي.

 “الشيخين” عقلية افرزتها الأحزاب الصغيرة :

منذ إنتخابات 2014، يعاب على الشعب التونسي ترشيحه لحزبي النهضة والنداء وما تبعه من مصطلحات  ك”إستقطاب ثنائي” و “ماكينة حزبية” بإعتبار أن الحياة السياسية في تونس أصبحت منحصرة بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي خاصة بعد توافقهما الشهير ومن هنا جاءت كلمة “الشيخين”. لكن تبعا لهذه الفرضية، هل كان بإمكان الناخب التونسي التصويت بطريقة مغايرة؟ أم هل له الآن بدائل ؟ لا ننسى أن عدد الأحزاب في تونس يتجاوز 200 حزب. هل يعني أن في تونس هناك أكثر من برنامج سياسي وإقتصادي مختلف ؟ قطعا لا. كل التشكيلات الحزبية في تونس مستنسخة من بعضها. مازالت الحياة الحزبية تؤثر عليها الشخصنة وإرضاء النفس. فسيتقل قيادي من هذا الحزب ليؤسس حزبا آخر بمفرده ويستقطب بعض القيادات من حزبه القديم. ليكون بذلك حزبين متشابهين في  الأشخاص  والبرامج وحتى في الأسماء. لنضرب مثلا في أسماء الأحزاب التونسية : فهناك التحالف الديمقراطي والتيار الديمقراطي والحركة الديمقراطية (تأسست في 2017) التي  كانت بدورها الحزب الجمهوري بعد أن إنشق منه التيار الجمهوري والأمثلة كثيرة. أمام هذا اللغط من التشكيلات السياسية والعبارات المفرغة من معناها، انقسمت أصوات الناخبين في 2014 بين النهضة من جهة بكونها حركة لها أتباع يساندونها في السراء والذراء، وحزب نداء تونس الذي عرف أكثر بإسم رئيسه الباجي قائد السبسي الحامل للمشروع البورقيبي والذي من شأنه أن يخلص البلاد من الأزمة السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي حلت بالبلاد. التوافق الذي حدث بين هذين القطبين ولد أزمة ثقة بين المواطنين والطبقة السياسية.

هل كان هذا التوافق ضروري ؟

بدأ الحديث على التقارب بين النداء والنهضة منذ صدور نتائج إنتخابات 2014. بالنسبة للنداء، الأغلبية التي حققها ليست مريحة، و بالنسبة للنهضة النداء سوف “يتغول”، بإعتبار أنه فاز في الإنتخابات التشريعية والرئاسية. فكان التفاهم والتقارب. رغم امتعاض البعض من هذا “التوافق” بإعتباره مس بنتائج الإنتخبات، إلا أن فكرة تشكيل حكومة وطنية راقت للكثيرين نظرا للوضع الإقتصادي والأمني والإجتماعي للبلاد الذي لا يحتمل صراعات سياسية أخرى بقدر ما هو بحاجة إلى إستقرار. إلى حد الآن، يبدو التمشي الذي انتهجناه طيبا وذلك بشهادة العالم. فقد اعتبرت تونس الدولة الوحيدة التي وصلت إلى بر الأمان من بين البلدان التي شهدت ثورات. المشكل هنا ليس في التوافق بعينه، لكن المشكل أن يتحول هذا التوافق إلى تعلة للتنصل من المسؤولية. سبق إن قلنا إن البلاد في حاجة للإستقرار لكنها بحاجة أيضا إلى شخص معين أو طرف ليقدم برنامجا واضحا ويتحمل المسؤولية في ذلك. إما أن تتقاذف مشاريع القوانين و مشاريع الاسثمار بين الكتل النيابية في إنتظار الحلول التوافقية بين مكونات المشهد السياسي التونسي فهذا لا يشبه الديمقراطية في شيء، بل منهج خاطئ تتحمل عبئه الدولة والمواطنين على حد سواء.

التوافق وسيلة أم غاية ؟

نعلم جميعا أن أكثر شيء مهم في السياسة هو النتائج. فلا يهم إن اتخذت موقفا لا يتناغم مع أفكارك، إذا كان الغاية في مصلحة الوطن. بهذا المنطق لن نلوم النداء على تقاربه من النهضة ولن نلوم النهضة على تقاربها مع النداء. لكن ما لا يستقيم، هو اننا نرى المسؤولين من هذا الحزب أو ذاك وخاصة أصحاب القرار في الدولة يفتخرون بالتوصل إلى التوافق وإلى الحوار إذا ما سألهم صحافي عن انجازاتهم. يجدر هنا التذكير بأن كل له مسؤولية أمام ناخبيه وعلى أساس برنامجه. فذلك المقياس الوحيد لإعطاء بطاقات النجاح والفشل.

المفارقة :

الغريب في الأمر، أن تونس تزخر بشخصيات وكفاءات عالمية. لكن لا نرى أثرا  لهذه الثروة على ساحتنا السياسية. السبب واضح. علاوة على من يفضلون المشاهدة من بعيد وعدم المشاركة في الحياة السياسية فإن من دخل عالم الأحزاب فسيسقط دون أن يشعر في الحسابات السياسوية المتعلقة بهيكل الحزب دون أن يجد لا الوقت لا الطاقة لإفادة وطنه بما يكتنزه من مهارات. فعلى الأحزاب إذا أن تراجع نفسها، وأن لا تقع في فخ الخلط بين النتيجة والوسيلة المنتهجة لذلك. لو أدرك السياسيون هذه النقطة فلن يضيعون وقتهم في الانشقاقات والتحالفات، وسيعودون الى دورهم الطبيعي وهو الربط بين الشعب والسلطة وليس العكس.

تعليقات