لا يزال موضوع التحوير الوزاري يحتل صدارة اهتمام الرأي العام التونسي. فبعد إنقضاء عطلة العيد وفصل الصيف، تتجه الأنظار نحو رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمعرفة داخلي “القصبة” الجدد ومغادريها.

نظريا، لا يكتسي الموضوع أهمية قصوى. فكل ما في الأمر أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد سيجري تغييرا على فريق عمله. لكن تداخل جميع الأطراف من الأحزاب إلى الجمعيات مرورا بالمنظمات جعل الأمر معقدا.

من بين الاشكاليات المطروحة في هذا التحوير الوزاري هي إن كان يجب اعتماد وزراء “تكنوقراط” أو سياسيين لهذه المرحلة، وبالطبع لا حديث يعلو فوق هذا الحديث وكأن رقي تونس وخروجها من أزمتها مرتبط بهذه المسألة. الحقيقة تبدو عكس ذلك تماما، إذ أن الباحث في الموضوع كالباحث عن جنس الذباب، إن كان الذباب ذكرا أم أنثى فلا نتيجة ترجى وإن وجدت فلا منفعة لها. تخيلوا أن يختار رئيس الحكومة شخصية سياسية متحزبة لتكون على رأس وزارة المالية مثلا، ويتم ذلك بعد مشاورات ماراطونية ومحاصصة حزبية حول أي حزب سيتمتع بهذه الحقيبة الوزارية ثم تقرر الشخصية التي يقع عليها الإختيار، الإستقالة من حزبها لسوء تفاهم بينها وبين أحد القيادات ( وهو ما يحدث دائما) فهل ستعاد كل المشاورات ؟ ثم ماذا لو وقع الإختيار على شخصية تكنوقراط لا تنتمي إلى أي حزب، فهل سيتم مصادرة حقها الدستوري في الانتماء إلى حزب سياسي ؟ وإن وضع نص قانوني يحجر ذلك، فهل سندخلها في قلبها وفي باطنها لنعرف إن كان لها ميولات للنهضة أو للنداء ؟ يعني هذا أن الطرح خاطئ أساسا، ولا رجاء في حل يمكن أن يفيدنا به المتكلمون في هذه القضية.

رضا شلغوم

اشكالية اخرى تعتبر أيضا مضيعة للوقت، لسوء إختيار التوقيت : يتهافت قيادات نداء تونس للمطالبة بحقهم في تكوين الحكومة بإعتبار أنهم يمثلون الحزب الأغلبي والفائز في الانتخابات التشريعية. هذا المنطق يعتبر سليما، لأن الحزب الفائز في التشريعية هو المكلف دستوريا بتشكيل الحكومة.
لكن النداء أضاع هذه الفرصة عندما اتيحت له وجنى بذلك على نظام سياسي كامل. في سنة 2014, عندما فاز النداء بالإنتخابات التشريعية كان عليه تكوين حكومة من لدنه يتحمل مسؤليتها في النجاح وفي الفشل مثلما هو معمول به في الديمقراطيات في ديمقراطيات العالم، إلا أن هذا الأخير فرط في حقه بإختياره لحكومة وحدة وطنية اضاعت أشهر عديدة لإرضاء الأحزاب، الكبير منها والصغير، لتولد بعد ذلك حكومة مرتعشة في نظام سياسي هجين. لم تفلح هذه الحكومة في إتخاذ مواقف قوية رغم الحاجة لذلك، فكان دور الحكومة هو فقط الإمضاء على القرارات التوافقية بين الأحزاب التي تحصل عادة بعد إنقضاء الأمر و اضاعة الوقت.

سليم العزابي

أمام هذه الحالة وتدهور الإقتصاد، كان التغيير حتميا. اهتدى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى تعيين يوسف الشاهد، لكونه شاب وله طرق جديدة في العمل تقطع مع الآليات القديمة التي لم تعطي أكلها. رغم أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية لا زالت متردية وبعيدة حتى على مستوى الصفر، إلا أن حكومة يوسف الشاهد وعلى ضعفها خطت خطوات إيجابية منها البدء في محاربة الفساد وتحسن بعض المؤشرات الإقتصادية وخاصة كسب نوع من الثقة من قبل الشعب.

سارة رجب

اليوم ورئيس الحكومة بصدد إجراء تحوير وزاري، نظن أنه الأقدر على التقييم بين من فشل ومن نجح، ليتم تقيمه هو الآخر من قبل الشعب والبرلمان. لماذا يريد النداء اليوم أن يفرض سلطانه والعمل بعقلية الحزب الفائز بعد التخلي عنها عندما كنا بحاجة لها. فلو كون النداء حكومته منذ 2014, لما لام عليه لائم ولما أضعنا كل هذا الوقت في سد الفراغات وإرضاء المتخاصمين. لماذا يعود النداء اليوم إلى حق سياسي تخلى عنه والحال أنه بتعيين يوسف الشاهد كرئيس حكومة تم المرور إلى “نظام مغاير”.

فما الفائدة اليوم من إقتراح أو فرض رضا شلغوم في المالية وسليم العزابي في الخارجية وسارة رجب في النقل وسليم شاكر في التعاون الدولي مع طلب تغيير مهدي بن غربية وإياد الدهماني ؟ فهل يستطيع الشاهد التعامل مع هذه الأسماء بقطع النظر عن كفائتها ؟ فهل سيضطر هذا الأخير إلى التعويل على تفهم الاتحاد لمرحلة ومجابهة “إقتراحات” النداء ؟ وإن عول الشاهد على المركزية النقابية فبأي ثمن ستقبل هذه الأخيرة المساعدة ؟

 

الإشكاليات كثيرة والحل واحد …. هو الاختيار على شخص (إن كان يوسف الشاهد أو غيره) لتحمل المسؤلية كاملة ومحاسبته بعد ذلك. غير ذلك فلن تنفع النقاشات البيزنطية في الخروج من الأزمة.

تعليقات