في نهاية التسعينات، أظهرت دراسات اجرتها الحكومة الايسلنادية نتائج مفزعة : أكثر من 40 % من المراهقين ما بين 15 و-16 سنة اكدوا أن آخر مرة شربوا فيها الخمر كانت منذ شهر لا أكثر، 1/4 منهم يدخن السجائر و-17 % كانوا قد تعاطوا المخدرات. صنفت هذه النسب الأكثر إرتفاعا في أوروبا.

إعتبر الإخصائيون أن هناك هوة كبيرة تفصل الشباب عن المجتمع، إذ لم يعد من الممكن التجول بسلام في الشوارع جراء كثرة الشباب المخمورين، شارف المجتمع آنذاك على الفناء. أعطت الحكومة الايسلندية حينها -تحت ضغط من “جون سيغفون”، مدير المركز الاسلندي للبحث والتحليل الاجتماعي- إشارة إنطلاق برنامج ” ايسلاندا بدون مخدرات” والذي سمية في ما بعد ” الشباب في ايسلندا”.

إرتكز هذا البرنامج، على اسئلة يجيب عنها الشباب عبر استمارات لا تذكر اسمائهم : “متى شربت الخمر آخر مرة ؟” ” هل شربت مرة حتى الثمالة ؟” ” هل جربت مرة تدخين السجائر ؟ ” ” كم تقضي من الوقت صحبة أبويك ؟” “هل لديك أنشطة تمارسها ؟”

بعد جمع أكبر عدد مكن من المعلومات، قررت الحكومة سن حظر تجول على من سنهم من 13 إلى 16 سنة، ومنع بيع السجائر إلى من هم دون 18 سنة وبيع الكحول ممنوع إلى من هم دون ال-20 سنة.  بقطع النظر عن منعها على دون الراشدينن فإن السجائر تكاد تباع خلسة في ايسلندا  إذ لا تعرض في واجهات المحلات ولا تقدم إلى الزبون إلا عند الطلب وسعرها هو الأغلى في كل أوروبا. بالنسبة للكحول فلا يتو توزيعها إلى في نقاط البيع التابعة للدولة وتفرضه عليها ضريبة تفوق ال-80 %.

شابات إيسلنديات

ما يمكن ملاحظته إلى حد الآن، هو أنه لا يجبد فرق كبير بين قامت به ايسلندا وماقمت به تونس في هذا المجال خصوصا في ما يخص التقليص من بيع السجائر والكحول فرغم ذلك كانت النتائج مختلفة تماما. في غضون سنوات تغيرت كل المؤشرات إذ لوحظ أن عدد كبير من الشباب (من الجيل الصاعد) لا يعرف طعم الكحول ولا السجائر، في المقابل إرتفعت نسبة الإقبال على نوادي الرياضة والصيد البحري. بينما في تونس لم بقي الوضع على ما هو عليه.

لم يعد هذا البرنامج الذي طبقته الحكومة خطة لإنقاذ المجتمع من آفة المخدرات فقط بل كانت له انعكاسة إيجابية في عدا مجالات. فإيسلندا التي تعد 340.000 نسمة فقط تمكنت في غضون 8 سنوات  من تطوير رياضتها إذ بلغت الدور الربع النهائي في كأس أوروبا لكرة القدم 2016 متقدمة على عدة منتخبات لها أصول وتقاليد في هذه اللعبة.

فريق ايسلندا لكرة القدم

ما يكون قد انجح “التجربة الإيسلندية” هو قيام الدولة مقام العائلة بالنسبة للشباب، إذ لم يقتصر برنامجها الاصلاحي على الحد من المخدرات والكحول فقط (دور بوليسي واداري) بل سعت إلى تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة بتقديم مبالغ مالية وإشتراكات في قاعات رياضية ونوادي الغوص والصيد. كما سهرت  الحكومة على متباعة حياة الشباب مع عائلاتهم بتقديم إرشادات للأولياء وضمهم في صفها للتعاون على وجود حل إن كان هناك مشكل يتعلق بأبنائهم.

عرفت الحكومة الإيسلندية إذن كيف تتعامل مع الشباب بقيامها بدور العائلة وذلك بتوفير الغطاء المعنوي الذي ينقص الشباب والمراهقين، عكس ما هو عليه الأمر في تونس إذ لم تنفع الإجراءات وحدها في الحد من نسب الإدمان ونسب الجريمة. لأن علاقة التونسي بالدولة ظلت ولعقود باردة وجافة، مما ترك الباب مفتوحا لعديد التيارات الإجرامية والمتطرفة لإستقطاب الشباب وإستغلال هشاشتهم النفسية وإغواء ميولاتهم التي لم تدركها الحكومات المتتالية.

تعليقات