لا حديث هذه الأيام، إلا حول موضوع المسواة في الميراث الذي طرحه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في خطابه بمناسبة عيد المرأة يوم 13 أوت 2017. فلا أسعار أضاحي العيد و لا العودة المدرسية ولا الانتخابات البلدية لا زالت تثير اهتمام الرأي العام التونسي بقدر ما اثاره هذا الموضوع. بين مؤيد ورافض، يبقى السؤال مطروحا، هل أن خطاب رئيس الجمهورية منعرج جديد في سبيل تحرير المرأة والمجتمع أم أنه مجرد زوبعة سياسية، ثمارها العودة إلى مربع الصراعات الايديولوجية العقيمة. قراءة.

لمن تعود الفكرة ؟

لم يكن خطاب رئيس الجمهورية المناسبة الأولى التي تطرح فيها مسألة تشريع المساواة، فالفكرة تبنتها عدة جمعيات من المجتمع المدني غداة الثورة، وتبناها أيضا نواب من القطب الديمقراطي الحداثي في المجلس الوطني التأسيسي، لكن الفكرة ذهبت هباء الرياح لأنها طرحت في وقت كثرت فيه الصراعات الإيديولوجية وتشتت في الآراء بين التطرف الرجعي ( ولا نقول ديني) والتطرف الإصلاحي ( ولا نقول لائكي).
عادت مسألة المساواة للظهور، ذات مارس 2011 على اثر مبادلة اطلقها النائب في مجلس النواب آنذاك، مهدي بن غربية ( وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان حاليا ).
جمع السيد مهدي بن غربية توقيعات 27 نائبا في البرلمان لدعم مشروعه، ثم اختفت المسألة من دائرة النقاش.

القائمة الإسمية للنواب الذين وقعوا لفائدة مشروع المساواة في الميراث

زوبعة إعلامية، سياسية وإجتماعية :

لإن لاقت مبادرة رئيس الجمهورية إستحسان العديد الجهات إلا أنها أثارت حفيظة حساسيات أخرى، فهناك من إعتبر أن الأمر لا يتعدى أن يكون حملة إنتخابية مبكرة إنطلق فيها رئيس الجمهورية ليربح بها حزبه السابق “نداء تونس” نقاطا إضافية خصوصا وأن هذا الأخير فقد الكثير من شعبيته جراء التقارب مع حركة النهضة. في نفس الوقت تجد هذه الأخيرة نفسها في إحراج كبير- إما الرفض والضهور في موقع الحزب الرجعي أو القبول وفقدان ما تبقى من ثقة قواعدها”. وذهب البعض إلى التفكير أن مبادرة مهدي بن غربية في 2016 هي عملية استباقية دبرها السبسي لجس نبض المجتمع والسياسيين حول المسألة.

من جهتهم، عبر أئمة ومشائخ الزيتونة عن استهجانهم لهذه المبادرة معتبرينها “طعنا صريحا في ثوابت الدين ” واعتبروا في بيان رسمي أن”الرئيس تدخل في ثوابت لا مجال لتبديلها وأحكام المواريث تكفل الله سبحانه بتفصيلها وبيانها في كتابه العزيز “. هذا بالإضافة إلى حملات التكفير أو “شبه التكفير” من قبل عديد الوجوه التي غابت منذ 2014 ووجدت ذريعة للعودة للساحة للإدلاء بدلوها في الموضوع.

جامع الزيتونة المعمور

اشكال تشريعي في الأفق ؟

بالرغم من الطابع الحداثي لمبادرة رئيس الجمهورية والصدى الطيب الذي لاقته في تونس وخارجها، إلا أن تجسيدها يطرحا اشكالا تشريعيا حادا لما تتضمنه المسألة من تعقيدات. يرى عدد من رجال القانون وخصوصا عدول الإشهاد (الأكثر تأهيلا مهنيا ومعرفيا لخوض في هذه المسألة) أن إدراج المساواة في الميراث يستوجب اجراء تغييرات عديدة في “الهيكل التشريعي” التونسي والقوانين التي تمس المجتمع بصفة مباشرة كالنفقة والقوامة والكفالة . إذ يتساءل الخبراء إن كان قانون المساواة سينسخ ( يلغي) الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية والقاضي بإعتبار الرجل ك”رب العائلة” وتحميله مسؤولية الإنفاق.

المساواة في الميراث، الجوانب القانونية والاجتماعية

نساء ونصف :

في المقابل لا يمكن إعتبار المسألة مسقطة على المجتمع لإن نساء تونس كن ولا زلن مختلفات ومتفردات عن غيرهن من النساء. فتونس التي احتضنت عليسة وحكمتها الكاهنة وعاشت فيها توحيدة بن الشيخ وانجبت بعد ذلك مناضلات عديدات من راضية الحداد الى عائدة الهاني وصولا إلى خولة الرشيدي مرورا بسناء بن عاشور وأحلام بالحاج … لا يمكن أن تمر بجانب الموضوع مرور الكرام، دون أن تطرق إلي أو دون أن تناوله مهما كانت الجهة التي اقترحته.

مظاهرة للنساء التونسيات في الستينات

هل هي ثورة جديدة ؟

ليس من الخطأ مقارنة مبادرة رئيس الجمهورية بالثورة التي حققها الزعيم بورقيبة حين أصدر مجلة الأحوال الشخصية، لكن الخطأ هو الإعتقاد أن الأمر بغاية السهولة والخطأ أيضا هو الحكم بالإعدام على هذه المبادرة وهي في المهد. ما يمكن قوله الآن هو أن رئيس الجمهورية قد وضع نفسه أمام رهان كبير بإطلاقه لمبادرة محفوفة بالتعقيدات. فنرجو أن يكون قد أعد الرئيس العدة لذلك من إستشارة أهل الإختصاص والقيام بالدراسات المجتمعية اللازمة وتحضير خطة اتصالية ناجعة (مثلما فعل الزعيم بورقيبة في سنة 1956) أما الإقتصار على الوسائل السياسية والإدارية المعمول بها فلن يعطي نتيجة تذكر، بل سيعطي مفعول عكسي لدى الشعب الذي قد يخيب أمله في المسؤولين وفي الدولة نفسها.

السبسي يكرم إحدى نساء تونس

تعليقات