في هذا الركن، اخترنا لكم ترجمة لكتاب “14 جانفي، التحقيق” وهو ثمرة عمل إستقصائي حول ما حدث من تغيرات أثناء الثورة التونسية.

عمل لعبد العزيز بلخوجة وطارق شيخ روحه
ترجمة ومراجعة : خير الدين عبد العالي، علاء الدين بو فحجة، رحمة البلدي
نشر : دار ابولونيا للنشر

بعد عشريّات من الكذب والتلاعب والقمع و انعدام الحوار، استيقظ
التونسيون يوم 15 جانفي 2011 بفخر عظيم، فقد نجحوا في إسقاط أحد
أبشع الأنظمة البوليسية في التاريخ.
لكن، وللأسف، بينما هم مازالوا يمسحون الكرى عن عيونهم كان التلاعب
متواصلا طوال الليل خلال اجتماع منعقد في وزارة الداخلية. حيث إرتأى
المسؤولون أنّ هذا الشعب العظيم لا يستحقّ معرفة الحقيقة، رغم نجاحه
في التحرّر و الإنعتاق من براثن الدكتاتورية. و عاد الشعب التونسي ليكون
مرّة أخرى ضحيّة إهمال الحكّام الجدد، لتصادر آماله و تجهض إنتفاضته.
ولو كانت للحكومة الشجاعة السياسية الكافية لاحتفل الشعب بطريقة
فخمة بهذا الحدث الاستثنائي، كأحد أهمّ الأحداث في تاريخه و لكان بإمكان البلاد أن تعيش انتقالا سريعا و ثابتا نحو الديمقراطية.
و رغم ما شهدته البلاد من مساحة حريّة لم تنعم بها قطّ، و في الوقت الذي
أضحت فيه وسائل الإعلام تلتهب حول أبسط الأحداث، فإنّ أغلب الحقائق
بقيت إلى يومنا هذا مخفيّة بشكل مثير للإستغراب.
لقد ظلّت كثير من أحداث 14 جانفي 2011 مخفيّة بأسلوب متعمّد
و غير معترف بها رسميّا من قبل الحكومات المتعاقبة. وإذا لم تتدخّل
وسائل الإعلام ومعها المؤرّخون بأكثر حدّة فمن المرجّح أن يخفيها التاريخ
بصفة نهائيّة ويتبنّى رواية مسيّسة ومنحازة ومقزّمة للواقع.
و لقد أتيحت الفرصة لعديد الوزراء من حكومة الغنوشي الأولى إلى ما
بعد 14 جانفي للحديث في وسائل الإعلام عن الأحداث التي أدّت إلى
هروب بن علي لكن يبدو أنهم اتفقوا على إخفاء الحقيقة الجوهريّة، إذ لا
أحد منهم تطرّق إلى هذا الموضوع.
في هذا الجو الجديد من الحرية أطلق المسؤولون الجدد، وكلهم وزراء
سابقون لبن علي، العنان لتخيّلاتهم السياسيّة 1 و حاول كل منهم بشتىّ
الطرق لفت نظر وسائل الإعلام إلى شخصه مع إخفاء 2 الجانب الأساسي
لحقيقة أحداث 14 جانفي. فقد أدلى أحمد فريعة الوزير السابق للداخلية
بحديث دام ساعة على القناة التلفزيّة السعوديّة «العربيّة »، و عندما طُلِبَ
منه تقديم تفاصيل حول ذلك اليوم تعمّد إغفال الحديث عن حقيقة ما حصل
بين الساعة 15 والساعة 20 ، كأنّ شيئا لم يحدث ، كذلك فعل خلال ندوة
عقدها بمؤسسة التميمي يوم 29 أكتوبر 2011 ، وبينما كان الصحفيون يسألونه عن حزبه الجديد 3 طلبنا من أحدهم 4 طرح سؤال دقيق يخصّه كوزير
سابق للداخلية فكان ذلك سببا كي يفقد السيد أحمد فريعة إتزانه بشكل
واضح، وقد كان السؤال : «هل صحيح أنكم يوم 14 جانفي 2011 وعلى
الساعة الرابعة و ثلاث وعشرين دقيقة تحديدا سمعتم وزير الدفاع السيد
رضا قريرة يأذن للفريق الجنرال عمار بالقضاء على سمير الطرهوني ورجاله
لتحرير عائلة الطرابلسي التي كانت رهينة لديه؟ .»
ولما رأى بقيّة الصحافيين ينتفضون، أجاب أحمد فريعة مترددا: «أظنّ
أنني لم أعد أتذكّر ذلك. لكن هذا لا يعني أنه لم يحدث. » رغم أنّ السؤال
يستند إلى وقائع 5 جدّ خطيرة ولا يمكن نسيانها.
وفي حوار حول أحداث 14 جانفي على منبر القناة التلفزية «التونسية ،»
توقّف سرد كمال مرجان 6 إلى حدود الساعة الثالثة مساء.
وتكلّم محمد الغنوشي 7 في عديد المناسبات وفي عديد وسائل الإعلام،
دون تقديم تفاصيل حول ذلك اليوم، وذهب به الأمر إلى حدّ تقديم نفسه
ك «منقذ » للبلاد التونسية، و أنّه الرجل الذي جنّب البلاد حمّامًا مؤكّدا من
الدماء ، و لم يتسنّ لنا بالطبع، الحصول على أي توضيح في هذا المستوى 8.
و أخيرا، كان رضا قريرة يقفز من وسيلة إعلام إلى أخرى عارضًا روايته
لأحداث يوم 14 جانفي. فقد قدّم نفسه “نصيرا للثورة” و أنّه من “حال دون
الفوضى”، في حين كانت الشهادات الرسمية لعديد الأطراف بما في ذلك
ضباط من الجيش و عدة وزراء، تتناقض مع روايته 9.
 
————————————————————————————————————————————————————————– 
 
-1 خلال الأيام التي تلت يوم 14 جانفي كانت مسألة تنظيم انتخابات رئاسية مطروحة وفق ما
يقتضيه دستور 1959 ، أي خلال الستين يوما الموالية لمغادرة بن علي ويبدو أن عديد المسؤولين
أصابهم آنذاك جنون العظمة.
-2 بصفة آليّة وكأنهم اتّفقوا على إخفاء الحقيقة، في الوقت الذي قدمت فيه صيغ مغلوطة مختلفة و
تم تداولها إعلاميا بشكل مكثف.
-3 بصفته شريكا في تأسيس الحزب.
-4 وجدي بن مسعود من صحيفة “حقائق”.
-5 التعقيدات المتعلقة بهذه المسألة تتمثل في أنّ الإذن الشرعي لذلك الفعل )أي ردّ الفعل على
عملية أخذ رهائن( يصبح غير شرعي ويدان سياسيا في صورة انهيار النظام. إلا أنّ ما يهمّنا ليس إدانة
هذا الإذن بل الاعتراف بواقعيته لإزالة كثير من الشكوك حول ما وقع يوم 14 جانفي.
-6 وزير سابق للشؤون الخارجية.
-7 رئيس بالنيابة سابقا ووزير أول سابق.
-8 فرضية هجوم ليبي ثم تلافيه في آخر لحظة، و التي تمّ الترويج لها في مرحلة ما، غير أن عدم
توظيفها بعد سقوط القذافي يؤكد أنها كانت عذرا وقتيا لا غير.
-9 رشيد عمار و الشتاوي ومحمد الغنوشي وأحمد شابير والطيب العجيمي.

تعليقات