يمكن الجزم أن أعظم المشاكل التي تواجهها تونس اليوم، هي أزمة التعليم العمومي وما رافقها من “صراع” بين وزارة التربية ونقابات التعليم.

يستمر تعليق الدروس في قطاع الثانوي وهاجس السنة السوداء أو ما سمي عبثا بالسنة البيضاء لا يزال قائما. هذه المعركة وإن كان جوهرها هي إصلاح التعليم العمومي وإرجاع هيبة المدرسة إلا أن عدة عوامل تلقي بضلالها بصفة طبيعية وتؤثر على مسار التفاوض وبالتالي عن أهداف كل طرف: لا غرابة أن نتحدث عن التفكير في المؤتمر القادم لإتحاد الشغل وعن مستقبل وزير التربية في حكومة الشاهد ومستقبل الحكومة نفسها. كل له حساباته ومع الأسف تتقاطع هذه الحسابات مع العماد الأكبر للدولة التونسية وهو التعليم.

تصدع بين الطرفين :

بالنسبة لنقابة التعليم الثانوي فإنه لا مجال لإرجاع الأعداد والعودة للدروس لطالما لم يستعد الوزير للتفاوض. بالنسبة للوزير، فإن ميزانية الوزارة المرتبطة شرطا بميزانية الدولة لا تسمح بمراجعة أجور الأساتذة. في خضم هذا الجدل: تأتي أصداء أن الوزير مستعد للتفاوض بشريطة إرجاع الأعداء أولا، وهذا يعني أن الحل ممكن لكنه معطل بسبب “شخصنة” المعركة لتصبح لي ذراع بين مؤسستين صلب الدولة لا ينتهي إلا بإلحاق ضرر كبير بالدولة.

ولكن ما الحل ؟

ما دمنا نتحدث عن التعليم فلا بأس لو نعود للعظيم انشتاين الذي يعلمنا أن الغباء هو تكرار نفس الشيء مع إنتظار نتائج مختلفة. بما أن ما سمي بأم المعارك بين النقابات و وزارة التربية لم يفض إلا نتيجة تذكر خاصة في مجال الإصلاح التربوي، لا بد من إدخال معطيات جديدة للموضوع وتشريك أطراف أخرى حتى لا يستمر هذا التصدع العقيم. رئيس الجمهورية مثلا يمكن له أن يستغل منصبه البعيد نفس المسافة عن كل الأطراف حتى يقترح حلا يلتزم به كل الأطراف. معهد الدراسات الإستراتيجية يمكنه التدخل وتوظيف خبراء لضبط نظام تعليمي عصري لا يخضع إلا لمتطلبات عملية “التعلم” (l’opération de l’apprentissage).

عمليا :

يمكن تشكيل لجان تهتم كل منها بمسألة معينة ولكي لا نقع في المحضور :-” إذا أردت أن تدفن أمرا فكون له لجنة” كليمنسو”- يجب إرفاق اللجان بمستشارين قانونيين حتى نربح الوقت ونكسر الرتابة الإدارية التي تقتل كل محاولة للإصلاح. (للإشارة فإن وقع إعتماد هذا في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي). ويجب أيضا تقييد هذه اللجان بفترة عمل محددة بتاريخ، يقع محاسبتها على ذلك بمجرد إنتهاء المهلة.

التعليم قاطرة :

نعلم جميعا أن أكبر مشكل في تونس هو غياب السياسة. ولا نعني ذلك بغياب السياسة السياسوية ( la politique politicienne) أو سياسة الأحزاب، فهذه نمتلك الكثير منها بل أكثر من اللازم. لكن تنقصنا السياسة بمعناها الأصلي أن تعد مشروعا وتسوق له وتدافع عنه أمام الشعب. لم نر حتى اليوم معركة مشاريع بقدر ما رأينا معركة مناصب و تهافت على مسؤوليات أول ما نتقلدها نسارع لنفعل ما فعل سابقينا وهكذا دواليك.

لما لا نتعلم من هذه الأزمة ونحولها إلى نقطة قوة حيث تفتح الدولة ابوابها لمن له مشروع قوي ومتين ليطبق وينقذ التعليم وينسج على هذا المنوال كل القطاعات في ما بعد.

تعليقات