ككل شهر جانفي من كل سنة، تشهد البلاد موجة إحتجاجات وإضطرابات شعبية. يفسر ذلك عادة  بتواتر عدة أسباب منها قانون المالية الذي يبدأ العمل به في بداية كل سنة والذي يقضي دائما بزيادة في الأسعار وبرودة الطقس -لأنه من المستحيل التظاهر صيفا في تونس وبالطبع الفقر نشعر به شتاء أكثر من الصيف.-

صور من حي التضامن

في تونس تحديدا، لنا ذكريات كبيرة مع شهر جانفي في الإحتجاجات : أحدث الخبز في جانفي 1984 وأحداث الحوض المنجمي في جانفي 2008 والثورة في جانفي 2011. هذه المرة يبدو الوضع أكثر تعقيدا نظرا لهشاشة الوضع الإقتصادي ومشروعية المطالب من جهة وحاجة البلاد الى الإستقرار من جهة أخرى. قراءة …

إحتجاجات أم أعمال شغب ؟

أمام الصور المتداولة على مواقع التواصل الإجتماعي من أعمال تخريب ونهب، إتجه عدد كبير من الأراء إلى أن ما حدث لا يشبه الإحتجاجات في شيء وأن كل ما في الأمر أن عصابات ملثمة تريد إدخال البلاد في فوضى أو إن كل ما في الأمر أن الإحتجاجات قام بها مارقون عن القانون للنهب والسلب، كل هذا مجانب للصواب. لأن كل هذه الفوضى متربطة عضويا، أتوماتيكيا وطبيعيا بحالة البلاد الاقتصادية والإجتماعية والسياسية. حتى وإن كان الأمر عمليات احتجاجية تخللتها عمليات سرقة عمدت إليها بعض الأطراف فليس من صالح الحكومة أن ترتكز على هذه النقطة لتحجب مسؤوليتها في تردي الأوضاع.

هل قانون المالية هو السبب ؟

تفسر هذه الإحتجاجات الشعبية بغلاء الأسعار بمقتضى قانون المالية الجديد. من زاوية أخرى ينظر العديد من الخبراء الإقتصاديين أن الزيادة في الأسعار شر لا بد منه وأن على الشعب أن يعي أهمية المرحلة والصبر من أجل الوصول بالبلاد إلى بر الأمان. لكن المشكل أعمق من ذلك بكثير. فارتفاع الأسعار وحده لا يسبب الغضب الشعبي. فكل العالم يمر بازمة و تعاني كثير من البلدان إرتفاع الأسعار لكن لا يوجد غضب شعبي في كل الدول. يمكن الحديث هنا إذا عن أزمة ثقة بين الشعب والحكومة وبين الشعب والطبقة السياسية ككل.

من أحداث ليلة أمس

كان الشعب التونسي أن يقبل هذه الزيادة في الأسعار لو رأى بوادر أمل في الإنفراج إذ كان على الحكومة أن تستبق الأحداث وأن تبشر الشعب بإجراء لطمأنته و للزيادة في مصداقيتها. هناك العديد من الحلول في مجال الإستثمار أو الإجراءات الإدارية التي يمكن إتخاذها بطريقة ملموسة وهو ما يعبر عنه ببصمة الحكومة. وإلا فما الفرق بين حكومة وحدة وطنية يديرها يوسف الشاهد أو حكومة سياسية يديرها حبيب الصيد أو حكومة كفاءات يديرها مهدي جمعة أو حكومة ترويكا… إذا ما غابت المشاريع. ونعني هنا بالمشاريع ليست الإقتصادية منها فقط بل مشاريع عمل يفهمها الشعب. وقتها يمكن إستعمال المصطلح ” خلي الحكومة تخدم” أما أن يبقى الحال على ما هو عليه وبتغير الوزراء والمسؤلين ويكون كل مرة الهدف هو تسيير الشؤون بما وجد من آليات، فذلك لا يزيد الأمور إلا تعقيدا ولا يزيد الشعب إلى نفورا من السياسة والسياسيين.

تعليقات