لم يكن موضوع تأميم الثروات والمطالبة بالكشف عن حجم الثروة البترولية في تونس جديدا أو حديث العهد على طاولة النقاش بين الحكومة والشعب أو بين الأحزاب والشعب  أو بين أفراد الشعب ذاته. ترتفع الأصوات بين الفينة والأخرى مطالبة بطرد الشركات الأجنبية و “إرجاع ثروات البلاد لأهل البلاد” و ذلك حسب تركيبة المشهد السياسي التونسي؛ أي حسب من يحكم ومن في المعارضة. قراءة. 

ما يحدث اليوم في الكامور وما يتبعه من أحداث في قبلي ومدنين وبصفة أقل في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة لا يعدو أن يكون أكثر من حسابات سياسية بغض النظر عن مشروعية المطالب وعن حقيقة الثروة في تونس. بين حكومة عاجزة و معارضة إنتهازية، ينتفض شعب يائس فنهرع لتدوين عدد القتلى ونختلف بعد ذلك إن كانوا شهداء أم لا، ويتغير موضوع الجدل و وتتغير تركيبة المتخاصمين بتغير المشهد السياسي ويبقى وقود المعركة نفسه “الشعب المقهور” وهكذا دواليك. 

في هذا المقال، لن نتحدث عن مؤامرة ولن نميع القضية ولن نعطي رأيا نظيفه إلى آلاف الآراء والأصوات و- التخمينات،فقط سنلفت النظر إلى بعض الأحداث والمواقف و الملاحظات التي من شأنها أن تساعدنا على فرز الغث من السمين في كل ما يحدث من تطورات:

الأطراف، التجييش، الإنتهازية : 

رئيس حزب ” حراك تونس الإرادة ” المنصف المرزوقي، إعتبر ما يحدث في تطاوين ” معركة للسيادة والإستقلال الإقتصادي ” ثم يواصل وينعت قوات الأمن والجيش الوطني ب”الشبيحة ” – مصطلح استعاره على ما يبدو من ما يجري في سوريا كتأكيد على موقفه الداعم للمعارضة السورية-.

يبدو الموقف عاديا ومحترما، لو لم يكن المرزوقي نفسه  الرئيس السابق للجمهورية التونسية منذ سنتين فقط، ووهو الذي صرح بعظمة لسانه “نحن لا نملك نفطا”. كل ما يقوله المرزوقي إذا لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد، وهو الذي يغير خطابه بتغير موقعه ويتبعه في ذلك العشرات من الأحزاب والجمعيات”.

 

الحكومة، ما هكذا تسير الأمور : 

لو تأملنا قليلا في تركيبة الحكومة لما تعجبنا من فشلها في فض النزاعات و إيجاد الحلول كلما طلب منها ذلك. حكومة الشاهد مركبة بطريقة معقدة جدا ؛ عدد معين من الوزراء من كل حزب، ورائهم عدد معين من كتاب الدولة من احزاب مختلفة حتى لا يسيطر أي حزب على وزارة معينة … وكأن الغاية الوحيدة من هذه الحكومة، هي الصورة التذكارية التي التقطت في القصبة و تجمع من كل حزب نفر . ليخرج علينا رئيس الجمهورية وحليفه راشد الغنوشي مهنئين بتشكيل “حكومة الوحدة الوطنية”، ما عدى ذلك فالحكومة غير قادرة على العمل والفعل في المشهد السياسي والإقتصادي والإجتماعي بالرغم من كفاءة ونزاهة بعض الوزراء. إذ بالرغم من أنها حكومة شابة فهي غير قادرة على التواصل مع الشعب ولا سيما الشباب. المشكلة إذن هي اتصالية بالأساس. فيوسف الشاهد منذ توليه منصبه في شهر أوت 2017, رفع شعار محاربة الفساد لكنه لم يفلح في حشد القوى الفاعلة (الاعلام والمجتمع المدني) في صفه. علق البعض بأن حكومة الشاهد لا تحظى بحزام سياسي يحميها عند أخذ القرارات. الملاحظة صحيحة لكن تنقصها الدقة لإن المشكل الأساسي هو عدم قدرة الحكومة على إيصال ما تريد ايصاله رغم ما لها من إمكانية واعتمادات في هذا المجال، لتبقى حكومة الوحدة الوطنية رهانها الأساسي هو عدم التشقق والمحافظة على التناغم بين الأحزاب. هذه النقطة يجب أن تكون وسيلة لبلوغ غاية ما، الا وهي أخذ القرارارت والإصلاح ومحاربة الفاسدين لكن ما فعلته الحكومة هو الإكتفاء بهذا القدر (وحدة وطنية) وتقديمه لنا على أساس إنجاز وطني عظيم. 

رئاسة الجمهورية : 

 نظرا لما يتمتع به الباجي قائد السبسي من مشروعية لدى الشعب عند إنتخابه رئيسا في 2014 ونظرا للنظام الرئاسي المنتهج في تونس فإن لرئيس الجمهورية سلطة معنوية مهمة للتدخل في كبار الأمور و إبداء موقفه في التحديات الصعبة التي تواجهها البلاد، ليلهم بذلك السلطتين التشريعية (البرلمان)  والتنفيذية (الحكومة)، إلا أنه ومنذ دخوله قصر قرطاج، إكتفى بمبادرة يتيمة وهي قانون المصالحة. قانون لا يخدم الشعب أو على الأقل هو آخر ما يهم الشباب التونسي، بذلك يفقد رئيس الجمهورية الكثير من شعبيته ويكون غير قادر هو الآخر على احتواء الأزمة و يصبح  غير قادر على مخاطبة الشعب و إقناعه.  

 الرومنسية الثورية : 

 تكلم هنا عن مصطلح سياسي يعتبر أن من ينزلون الى الشارع هم دائما  الأخيار والحكومة هي الشريرة. يمكن إعتبار هذه النظرية صحيحة في تونس، بإعتبار أن الشعب لم يجد حظه مع جميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة. فالمقدرة الشرائية تدهورت والمعيشة ارتفعت مقابل تضخم ثروة فئة قليلة. لكن، بعض الأحزاب راهنت على هذه النقطة بطريقتها ، و عاهدت على مساندة كل التحركات الشعبية فقط لغايتها السياسية هذا بالرغم من قمعها للاحتجاجات الشعبية عندما كانت في الحكم.

الأطراف المتربصة :

كما يقول المثل التونسي ” كل حد شيطان في جيبوا “، فإن البعض من مكونات المشهد السياسي تتحين الفرصة للإطاحة لا فقط بالحكومة لكن وأيضا بالدولة لتنفيذ مخططاتها في التراب التونسي. على سبيل المثال، أي تصادم بين الجيش والمواطنين لن يكون إلا في مصلحة داعش ومن لف لفها لنشر دعايتهم الى وهي أن الجيش طاغوت ويجب محاربته لإقامة دولة الخلافة.

البارونات :

لا يختلف عاقلان في أن هناك بارونات فساد كبيرة تنخر الدولة من الداخل وان كل توتر يقع بين الأمن والشعب يصب في مصلحتها. إيقاف رجل الأعمال، شفيق الجراية قد يأتي بالجديد في هذا الخصوص، لكن لن نتعمق في الموضوع لعدم توفر المعطيات الكافية من الجهات الرسمية ولعدم التأثير على سير العملية الأمنية وسرية الأبحاث.

في الأخير، على الشعب أن يفرق بين مطالبه وبين من يريد أن يزج به في حسابات سياسوية وغائية خطيرة. هذا الفيديو للشهيد شكري بالعيد لا يزال متزامنا مع الأحداث الراهنة بل هو الأبلغ والأكثر مطابقة.

تعليقات